Feeds:
المقالات
تعليقات

مثقلة حتى في موتها
حزنا على غياب فتاة أم الدوم
بقلم مريم عبدالله النعيمي
alnaymiarticle@hotmail.com
مثقلة حتى في موتها ، مثقلة منذ لحظة ولادتها للدنيا حتى موتها
ومثقلة كونها أنثى لا تدري حين ولادتها سيقبلها الأب ويقبّلها أم يزور بوجهه بعيدا عنها لأنها جاءت صبية ولم تأت غلاما كما تمنى وأراد!!
مثقلة في طفولتها حين ترى أبيها يؤثر الذكور عليها في الهدايا ، وحسن المعاملة
مثقلة أيضا لحظة دخولها مرحلة التكليف الشرعي لأن حجم المراقبة عليها سوف يشتد وحجم المتابعة سوف يتضاعف كما أن دائرة الشكوك سوف تبدأ في الإحكام حولها لأنها ببساطة أنثى مرشحة بطبيعتها للوقوع في الخطأ والاجتراء على الخطوط الحمراء
إن طلبت هاتفا جوالا وهي في الثانوية وقف شعر الأبوين خشية انزلاقها فيما لا تحمد عقباه فيكون الرفض هو القرار القاطع والحكم النهائي الذي لا اسئنات فيه ولا تغيير
قد تتجرأ وتهمس في أذن والدتها قائلة : لكن أخي يملك هاتفا نقالا وهو أصغر مني فلماذا لا تقنعين أبي بشرائه ولن أستعمله إلا في الأعياد والمناسبات لتبادل التهاني مع صديقاتي . قالت لها الأم : وهل تضعين رأسك برأس أخوك ، هو رجل يحق له فعل ما يشاء أم أنت فلا
فإذا ذكرتها أنها لا تملك أيضا حاسوبا مستقلا بينما يملك أخوها الأصغر وأخويها اللذين يكبرانها بأعوام قليلة قالت لها الأم من حق الشباب الاستقلال والاستفادة من منتجات العصر أما أنت فما يدرينا لعلنا لو سمحنا لك بحاسوب محمول أو حتى ثابت تقعين فيما لا يحمد عقباه وتزل أقدامك عند أول متطفل ومحتال
فإذا قالت : أيا ماه أنا أخشى الله وهذا عامي الأخير في المرحلة الثانوية ومن حقي ان أتدرب جيدا على التعامل مع الحاسوب أجابتها الأم ولم لا هذا أخوك الأصغر يتمتع بأخلاق حميدة فاطلبي منه أن يسمح لك ببعض الوقت لكي تجلسي على حاسوبه
فإذا أظهرت الفتاة غضبها من فعل شقيقها الأصغر الذي يجلس قربها متطفلا على طريقة بحثها ويكاد من غلظته وقسوته أن يمنعها من الدخول إلى أي موقع تريده خشية وجود صور مشينة قالت لها الأم من حقه ان يفعل ذلك أنت تعلمين بأن أخاك غيور ويخاف عليك من أي إزعاج أو سوء قد تتعرضين له أثناء تجولك في المواقع والمنتديات !!
فإذا أجابت الفتاة قائلة : يا أماه عليه أن يغار على نفسه أولا فأنت لا تعلمين أي مواقع مشينة يزورها أخي الأصغر أجابتها الأم : هو شاب ومن حقه أن يفعل ما يشاء
فإذا بدأت تنتحب وقالت لأمها : ترين انتهاكا صارخا للأخلاق منه
ولا تعاتبينه أو تحجري على حريته ، وأنا المتفوقة دراسيا الملتزمة بالحجاب والتي تحفظ عشرة أجزاء من القرآن تحجرين علي لمجرد الخوف والحذر ؟!!
أي عدالة هذه وأي تربية فاضلة هي التربية التي نتلقاها في هذا المنزل والتي تكيل الفضيلة بمكيالين وتزن الحياء بميزانين نهرتها الأم وقالت : والله عشنا وشفنا بنات آخر زمن يتجرأن على رفع الصوت أمام الأمهات
إن البنت كلها عورة ألا تعلمين أن الخوف عليها بل والمبالغة في الخوف واجب ديني ولا بد من أدائه على وجهه فاسم البنت وسمعتها فوق كل شيء وما عليك سوى السمع والطاعة وكفي عن التذمر لقد خلقت أنثى فكفي عن الصياح والندب .
عندها تجيبها الفتاة الحازمة لكني ومن قراءاتي الواسعة في أحكام الإسلام لم أجد نصا شرعيا واحدا يبيح للرجل الخوض في سفاسف الأعمال ويعيق الأنثى عن انطلاقتها في التعلم وبناء شخصيتها العلمية الواثقة ؟!!
ردت عليها هذا الذي جاءنا من الكتب الجدل والوقاحة وقلة التهذيب .
فإذا قالت الفتاة : ولكن يا أماه ….بادرتها الأم قائلة : ليس هناك لكن ألم تعرفي معنى سلطان العادات والتقاليد ، الم تسمعي عن الأعراف وعوائد القبائل الم نربك على الخوف من كلام الناس وتحاشي لغطهم وإشاعاتهم ما أمكن
عندها لا تستسلم الفتاة وترفع صوتها عاليا لأول مرة في حياتها : أنتم إذن أسرى العادات والتقاليد ولستم ملتزمون بالتعليم الديني فإذا كانت الأعراف والتقاليد تسمح للرجل بممارسة انواع الشغب اللاأخلاقي رضيتم بذلك دينا ودنيا وإذا كانت تحاسب الفتاة على أفكارها ومشاعرها وتحاكم نواياها التي تفترض بها السوء آمنتم وتابعتم بالله يا أماه متى تتخلصون من أسر التقاليد وتعودوا من جديد إلى رحاب الإسلام وعالمه المنير ، حيث فرح الرسول عليه الصلاة والسلام بفاطمة وسعادته بها وبأخواتها ووقوفه عليه الصلاة والسلام إلى جانب تلك البنات في العسر واليسر والرخاء والشدة.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبا سعيدا ببناته فلماذا تسعدون بالذكر أكثر من سعادتكم بالأنثى ؟!!
لماذا يا أماه تخافون الناس فتحجرون على بناتكم وقد ربيتموهم على الصلاة والقرآن ومحبة الله ؟!!
لماذا ترفعون سقف الحرية للرجل حتى يجاوز الحد وتخفضون هذا السقف للأنثى حتى تكاد تختنق من شدة الكبت ؟!!
عند هذه الجملة عادة ينتهي الحوار بإشارة توقف حازمة من يد تلك الأم التي حالت عواطفها المكبوتة تجاه ابنتها دون ضربها لكنها وبعين غاضبة وقلب مضطرم تشير للفتاة بالذهاب لغرفتها لأن الحوار قد انتهى والحديث قد بلغ نهايته .
ترجع الفتاة المغلوبة على أمرها إلى غرفتها وتعلن بينها وبين نفسها بأنها لن تستسلم عن مطالبها في المساواة والعدالة التربوية لأن الكيل بميزانين كالتطفيف في الميزان كلاهما يمقته الرحمن ويحذر من وقوعه .
حقيقة أمر اللاعدالة وغياب الحس المسؤول في التعامل مع الأنثى يتجاوز كثيرا مجريات الحياة اليومية في البيوت التي تطبق باحتراف مبادئ القبول بشغب الذكر وجنوحه الأخلاقي وكف يد الأنثى عن أنواع الحرية التكنولوجية منها والعامة حتى ولو كانت الفتاة على نصيب وافر من الالتزام الديني وكل ذلك تحت مظلة الأعراف والتقاليد التي تضاعف حجمها مع الأيام ومرور الزمن!!
تحت تلك المظلة التي يزاد في ارتفاعها وحجمها لتحجر طاقات ويضيق على فتيات بل وزوجات هن على مستوى رفيع من التدين والخوف من الله حدثت ارتباكات عاطفية وفكرية ، ووأدت مشاعر كان من الأولى والأجدر أن يتاح لها الظهور حتى ينعم الجميع بالصحة النفسية ويسعد الجميع بتوفر رصيد كبير من الاحترام والتقدير المتبادلين بين الجنسين
أوضح مثال لكبت المشاعر الطبيعية تجاه الأنثى قصة (فتاة الدوم) التي تناقلتها الصحف السعودية والتي تم انتشالها من بئر بعد مرور 12 يوما فشلت فيها محاولات إنقاذ حياتها التي ختمت بشكل مروع وبصورة تبعث على التعاطف الشديد حتى من الغرباء الذين لم يعرفوا تلك الزوجة يوما او يتواصلوا معها بأي شكل من الأشكال .
الحادثة مروعة وقصة وفاتها وختام حياتها يستنزف الدموع من المآقي وحتى المتحجرة منها إلا أننا نفاجأ في الصحف المحلية السعودية بتعليقات غريبة جدا لا تتناسب على الإطلاق وحرمة تلك الأنثى الفاضلة التي قضت نحبها بصورة مروعة .
وفقا لما ورد في الصحف السعودية ان أما شابة في منطقة أم الدوم كانت تتمشى قبل 12 يوما مع شقيقاتها وعدد من الصديقات في مكان فسيح وقد اعتدل الجو وطاب الهواء مما شجع الفتاة على التنزه مع صويحباتها وأخواتها في أنحاء المكان .
بعد برهة من الزمن تقدمت الفتاة بخطوات قليلة للأمام لتلاقي قدرها المحتوم فتغوص في داخل التراب إلى أعماق الأرض أمام أعين النساء الأخريات .
هكذا يقول الخبر غاضت الفتاة المتزوجة حديثا والأم لطفلة لا تتجاوز السنة وبضعة شهور أمام أعين عدد من النساء بعضهن شقيقاتها لتستقر في بئر عسر على المنقذين النزول فيه لانتشالها
تلك السيدة الشابة التي شاءت لها الأقدار أن تكون ضحية اللامبالاة والإهمال من قبل صاحب البئر الذي جاء الخبر أنه واحد من كثيرين حفروا آبارا تزيد على المائة والخمسين بئرا في تلك الأرض التي وارت بطلة قصتنا الحزينة .
ونتيجة لضعف الإمكانات المتوفرة لدى الدفاع المدني وضعف الوسائل المتاحة تأخرت عملية انتشال جثة الفتاة التي وجدت ميتة على هيئة الجلوس بكامل ثيابها ولم تتحلل رغم مرور تلك الأيام العديدة على رحيلها رحمها الله.
الى هنا وثمة ألم على النهاية المأساوية لتلك الفتاة تجتاح قلوب الأشخاص الطبيعيين مضافا إليه غضب شديد لضعف الإمكانات المتوفر لدى الدفاع المدني والتي أخرت الوصول للفتاة طيلة الأيام الطويلة التي سبقت انتشال جثتها.
لكن الصحف السعودية لم تكتف بذكر الخبر بل الغريب في الأمر والمؤلم غاية الألم ذلك التعليق المشين والمثير للسخط الذي أوردته أكثر من صحيفة سعودية في نهاية الخبر عن تلك الواقعة فقد ذكرت تلك الصحف أن والد الفتاة يحمد الله على العثور على جثة الفتاة قبل أن تتحلل لكي تنقطع الأقاويل وتخرس ألسنة الناس!!
سبحان الله هل هذا هو ما كنت تنتظره أيها الوالد المكلوم في ابنتك التي انتهت حياتها بهذه الطريقة الحزينة
هل الأمر الذي هز أوصالك وحرك شجونك وأقلقك نهاية القلق هو أن تبقى ألسنة الناس مسلطة على ابنتك فيما لو تحللت الجثة أو عجز رجال الدفاع المدني عن انتشال أوصالها كاملة ؟!!
يا سبحان الله .. غيابها عن الحياة وفقدان ذويها ويتم طفلتها وفقد الزوج لها وكل تلك الحبائل والأوصال والأوشاج الانسانية العميقة تضعف قيمتها أمام الخوف من ألسنة الناس الذين قد يشمتوا وينكروا القصة من أصلها ويبدؤوا في نسج الأحابيل الكاذبة والقصص المفتراة عنها فيما لو غابت ولم يعثر على الجثة ؟!!
يا الله ارحمنا من ظلم بعضنا البعض وتسلط الغفلة والجهل على حياتنا .
أو قمة الإزعاج في هذه المأساة كلام الناس ؟ وماذا عن شهادة الشقيقتين وعدد من الصديقات في ابتلاع الأرض لتلك الفتاة التي سبقت من معها بخطوات قليلة فداست على سطح البئر المغطى بالتراب أو الحشيش او أي شيء خدع بصرها وأودى بحياتها على هذا النحو المؤسف؟!!
ماذا عن ألمكم الدفين أيها الأب الطيب ، ماذا عن الطفلة اليتيمة التي ستتصفح الوجوه كل حين تبحث عن وجه أمها فلا تجده ولن تجده أبدا في حياتها الدنيا ؟!!
من سيربي الطفلة اليتيمة ومن يعيد لها حضن أمها ومن سيروي لها قصص المساء ومن سيقبلها في ذهابها وإيابها من وإلى المدرسة ؟!!
أو لم يهز أعماقك أيها الجد المغلوب على أمره احتمال قلب الطفلة البريئة من كونها ستنشئ دون أشقاء لأن أبيها حتى لو تزوج لاحقا سيأتي لها إذا أراد الله بإخوة وأخوات من غير أمها لأنها بكل وضوح لم يعد لها أم تأوي إليها وتسر للقياها في كل وقت وحين؟!!
رفقا بنا يا رب إلى أي وضع مأساوي نصل بأنفسنا ، والى أي هوة من الظلم سحيقة نهوي بأفكارنا حينما نجعل من ألسنة الناس الجائرة حائلا يحول دون أن نسمح لمشاعرنا الحقيقية بالتعبير عنا والإفصاح عن آلامنا الحقيقية لا آلامنا المتوهمة !!
ثم أين كان الناس الذين تريد قطع ألسنتهم وكف سياطهم عن ابنتك الفقيدة يوم وقعت في البئر ، وأين هي تلك الألسنة الجائرة يوم أن فشل الدفاع المدني عن إنقاذ حياتها والإسراع في الوصول إليها وانتشالها من تحت الأرض؟!!
أين كانت تلك الألسنة التي تقيم لها وزنا وقيمة من تفقد حال آبار تنذر بالموت وتشير إليه وتدل عليه بل وتوصل إليه بلغ عددها أكثر من 150 بئرا فأين هي الألسنة المشرعة لتنتقد أولئك المهملين الذين وزعوا الموت على طول ذلك الطريق الحزين؟!!
أين تلك الألسنة التي تحسب لها ألف حساب من آلام حفيدتك وآلامك الخاصة وآلام أمها وأخواتها وزوجها وكل من عرفها وأحبها؟!!
أين تلك الألسنة التي تعمل لها ألف حساب من مواساتك أيها الأب المكلوم ومن مواساة الأم والزوج وأفراد عائلتكم ألا تستحقون عظيم المواساة وصادق التعاطف لما أصابكم من كرب وبلاء ؟!!
سبحان الله أو في موضع الموت شماتة ، وفي حادث الرحيل المؤلم استهزاء وسخرية وشكوك وأقاويل؟!!
ألم تكن تلك المرأة التي نحتسبها عند الله وندعو لها بمضاعفة الأجر في رحيلها جديرة بالمطالبة بفتح تحقيق ومحاسبة المهملين من أصحاب الآبار الذين تسبب أحدها في قتل تلك المرأة الآمنة؟!!
بالله من الأولى بالنقد والتجريح ، أو من ماتت في غفلة وذهول عن المصير المؤلم الذي آلت إليه، أم من ترك تلك الأرض وذلك المكان نهبا للكسل واللامبالاة وقلة الاكتراث بمصائر الناس ؟
بالله عليك أيها الأب الجريح إن جراحك الحقيقية والتي تعلمها جيدا هي جراح الفقد لتلك الابنة الأم أما جراح الخوف من سياط الناس فاعلم أن معاقبة تلك الألسنة نص ثابت في شرع الله، وعلى القاذف الماضغ المردد للأقاويل في أعراض الناس ثمانون جلدة تلسع ظهره الغافل وتذيقه من الكأس المرة التي أراد أن يسقيها الغافلين من المؤمنين والمؤمنات !!
إن حد الجلد على القاذف واضح في الشرع لا يحتاج لتأويل أو مداراة أو تحايل ، ومن يفتح فمه في مضغ عرض مسلم أو مسلمة فمصيره جلد مهين ينتزع وساوس الشياطين من رأسه ، ويعيد تربيته من جديد ويعلمه قدر المسلمين والمسلمات ومكانتهم في الإسلام
يا أبا الأم القتيلة اطلب ثأرك من كل من شمت بك وغفل عن أداء الواجب في حقك وحق ابنتك القتيلة واسمح لمشاعرك الطبيعية في الحزن والتوجع على الأم الراحلة أن تظهر ، وتأكد انك لم تكن محتاجا لجثة ابنتك لتثبت براءتها فبراءتها وطهرها مكفولان ككفالة دمها لا يحق لمسلم ولا مسلمة أن يجترآ عليهما بأي حال من الأحوال
أحسن الله عزاءك في ابنتك وبارك لك فيمن بقي من أفراد عائلتك وأبدل خوفكم أمنا وحزنكم سرورا وراحة بال ، وعوضكم بفقدها خيرها، وأسكنها فسيح جناته . إنا الله وإنا إليه راجعون

Advertisements

مثقلة حتى في موتها

حزنا على غياب فتاة أم الدوم

بقلم مريم عبدالله النعيمي

مثقلة حتى في موتها ، مثقلة منذ لحظة ولادتها للدنيا حتى موتها

ومثقلة كونها أنثى لا تدري حين ولادتها سيقبلها الأب ويقبّلها أم يزور بوجهه بعيدا عنها لأنها جاءت صبية ولم تأت غلاما كما تمنى وأراد!!

مثقلة في طفولتها حين ترى أبيها يؤثر الذكور عليها في الهدايا ، وحسن المعاملة

مثقلة أيضا لحظة دخولها مرحلة التكليف الشرعي لأن حجم المراقبة عليها سوف يشتد وحجم المتابعة سوف يتضاعف كما أن دائرة الشكوك سوف تبدأ في الإحكام حولها لأنها ببساطة أنثى مرشحة بطبيعتها للوقوع في الخطأ والاجتراء على الخطوط الحمراء

إن طلبت هاتفا جوالا وهي في الثانوية وقف شعر الأبوين خشية انزلاقها فيما لا تحمد عقباه فيكون الرفض هو القرار القاطع والحكم النهائي الذي لا اسئنات فيه ولا تغيير

قد تتجرأ وتهمس في أذن والدتها قائلة : لكن أخي يملك هاتفا نقالا وهو أصغر مني فلماذا لا تقنعين أبي بشرائه ولن أستعمله إلا في الأعياد والمناسبات لتبادل التهاني مع صديقاتي . قالت لها الأم : وهل تضعين رأسك برأس أخوك ، هو رجل يحق له فعل ما يشاء أم أنت فلا

فإذا ذكرتها أنها لا تملك أيضا حاسوبا مستقلا بينما يملك أخوها الأصغر وأخويها اللذين يكبرانها بأعوام قليلة قالت لها الأم من حق الشباب الاستقلال والاستفادة من منتجات العصر أما أنت فما يدرينا لعلنا لو سمحنا لك بحاسوب محمول أو حتى ثابت تقعين فيما لا يحمد عقباه وتزل أقدامك عند أول متطفل ومحتال

فإذا قالت : أيا ماه أنا أخشى الله وهذا عامي الأخير في المرحلة الثانوية ومن حقي ان أتدرب جيدا على التعامل مع الحاسوب أجابتها الأم ولم لا هذا أخوك الأصغر يتمتع بأخلاق حميدة فاطلبي منه أن يسمح لك ببعض الوقت لكي تجلسي على حاسوبه

فإذا أظهرت الفتاة غضبها من فعل شقيقها الأصغر الذي يجلس قربها متطفلا على طريقة بحثها ويكاد من غلظته وقسوته أن يمنعها من الدخول إلى أي موقع تريده خشية وجود صور مشينة قالت لها الأم من حقه ان يفعل ذلك أنت تعلمين بأن أخاك غيور ويخاف عليك من أي إزعاج أو سوء قد تتعرضين له أثناء تجولك في المواقع والمنتديات !!

فإذا أجابت الفتاة قائلة : يا أماه عليه أن يغار على نفسه أولا فأنت لا تعلمين أي مواقع مشينة يزورها أخي الأصغر أجابتها الأم : هو شاب ومن حقه أن يفعل ما يشاء

فإذا بدأت تنتحب وقالت لأمها : ترين انتهاكا صارخا للأخلاق منه

ولا تعاتبينه أو تحجري على حريته ، وأنا المتفوقة دراسيا الملتزمة بالحجاب والتي تحفظ عشرة أجزاء من القرآن تحجرين علي لمجرد الخوف والحذر ؟!!

أي عدالة هذه وأي تربية فاضلة هي التربية التي نتلقاها في هذا المنزل والتي تكيل الفضيلة بمكيالين وتزن الحياء بميزانين نهرتها الأم وقالت : والله عشنا وشفنا بنات آخر زمن يتجرأن على رفع الصوت أمام الأمهات

إن البنت كلها عورة ألا تعلمين أن الخوف عليها بل والمبالغة في الخوف واجب ديني ولا بد من أدائه على وجهه فاسم البنت وسمعتها فوق كل شيء وما عليك سوى السمع والطاعة وكفي عن التذمر لقد خلقت أنثى فكفي عن الصياح والندب .

عندها تجيبها الفتاة الحازمة لكني ومن قراءاتي الواسعة في أحكام الإسلام لم أجد نصا شرعيا واحدا يبيح للرجل الخوض في سفاسف الأعمال ويعيق الأنثى عن انطلاقتها في التعلم وبناء شخصيتها العلمية الواثقة ؟!!

ردت عليها هذا الذي جاءنا من الكتب الجدل والوقاحة وقلة التهذيب .

فإذا قالت الفتاة : ولكن يا أماه ….بادرتها الأم قائلة : ليس هناك لكن ألم تعرفي معنى سلطان العادات والتقاليد ، الم تسمعي عن الأعراف وعوائد القبائل الم نربك على الخوف من كلام الناس وتحاشي لغطهم وإشاعاتهم ما أمكن

عندها لا تستسلم الفتاة وترفع صوتها عاليا لأول مرة في حياتها : أنتم إذن أسرى العادات والتقاليد ولستم ملتزمون بالتعليم الديني فإذا كانت الأعراف والتقاليد تسمح للرجل بممارسة انواع الشغب اللاأخلاقي رضيتم بذلك دينا ودنيا وإذا كانت تحاسب الفتاة على أفكارها ومشاعرها وتحاكم نواياها التي تفترض بها السوء آمنتم وتابعتم بالله يا أماه متى تتخلصون من أسر التقاليد وتعودوا من جديد إلى رحاب الإسلام وعالمه المنير ، حيث فرح الرسول عليه الصلاة والسلام بفاطمة وسعادته بها وبأخواتها ووقوفه عليه الصلاة والسلام إلى جانب تلك البنات في العسر واليسر والرخاء والشدة.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبا سعيدا ببناته فلماذا تسعدون بالذكر أكثر من سعادتكم بالأنثى ؟!!

لماذا يا أماه تخافون الناس فتحجرون على بناتكم وقد ربيتموهم على الصلاة والقرآن ومحبة الله ؟!!

لماذا ترفعون سقف الحرية للرجل حتى يجاوز الحد وتخفضون هذا السقف للأنثى حتى تكاد تختنق من شدة الكبت ؟!!

عند هذه الجملة عادة ينتهي الحوار بإشارة توقف حازمة من يد تلك الأم التي حالت عواطفها المكبوتة تجاه ابنتها دون ضربها لكنها وبعين غاضبة وقلب مضطرم تشير للفتاة بالذهاب لغرفتها لأن الحوار قد انتهى والحديث قد بلغ نهايته .

ترجع الفتاة المغلوبة على أمرها إلى غرفتها وتعلن بينها وبين نفسها بأنها لن تستسلم عن مطالبها في المساواة والعدالة التربوية لأن الكيل بميزانين كالتطفيف في الميزان كلاهما يمقته الرحمن ويحذر من وقوعه .

حقيقة أمر اللاعدالة وغياب الحس المسؤول في التعامل مع الأنثى يتجاوز كثيرا مجريات الحياة اليومية في البيوت التي تطبق باحتراف مبادئ القبول بشغب الذكر وجنوحه الأخلاقي وكف يد الأنثى عن أنواع الحرية التكنولوجية منها والعامة حتى ولو كانت الفتاة على نصيب وافر من الالتزام الديني وكل ذلك تحت مظلة الأعراف والتقاليد التي تضاعف حجمها مع الأيام ومرور الزمن!!

تحت تلك المظلة التي يزاد في ارتفاعها وحجمها لتحجر طاقات ويضيق على فتيات بل وزوجات هن على مستوى رفيع من التدين والخوف من الله حدثت ارتباكات عاطفية وفكرية ، ووأدت مشاعر كان من الأولى والأجدر أن يتاح لها الظهور حتى ينعم الجميع بالصحة النفسية ويسعد الجميع بتوفر رصيد كبير من الاحترام والتقدير المتبادلين بين الجنسين

أوضح مثال لكبت المشاعر الطبيعية تجاه الأنثى قصة (فتاة الدوم) التي تناقلتها الصحف السعودية والتي تم انتشالها من بئر بعد مرور 12 يوما فشلت فيها محاولات إنقاذ حياتها التي ختمت بشكل مروع وبصورة تبعث على التعاطف الشديد حتى من الغرباء الذين لم يعرفوا تلك الزوجة يوما او يتواصلوا معها بأي شكل من الأشكال .

الحادثة مروعة وقصة وفاتها وختام حياتها يستنزف الدموع من المآقي وحتى المتحجرة منها إلا أننا نفاجأ في الصحف المحلية السعودية بتعليقات غريبة جدا لا تتناسب على الإطلاق وحرمة تلك الأنثى الفاضلة التي قضت نحبها بصورة مروعة .

وفقا لما ورد في الصحف السعودية ان أما شابة في منطقة أم الدوم كانت تتمشى قبل 12 يوما مع شقيقاتها وعدد من الصديقات في مكان فسيح وقد اعتدل الجو وطاب الهواء مما شجع الفتاة على التنزه مع صويحباتها وأخواتها في أنحاء المكان .

بعد برهة من الزمن تقدمت الفتاة بخطوات قليلة للأمام لتلاقي قدرها المحتوم فتغوص في داخل التراب إلى أعماق الأرض أمام أعين النساء الأخريات .

هكذا يقول الخبر غاضت الفتاة المتزوجة حديثا والأم لطفلة لا تتجاوز السنة وبضعة شهور أمام أعين عدد من النساء بعضهن شقيقاتها لتستقر في بئر عسر على المنقذين النزول فيه لانتشالها

تلك السيدة الشابة التي شاءت لها الأقدار أن تكون ضحية اللامبالاة والإهمال من قبل صاحب البئر الذي جاء الخبر أنه واحد من كثيرين حفروا آبارا تزيد على المائة والخمسين بئرا في تلك الأرض التي وارت بطلة قصتنا الحزينة .

ونتيجة لضعف الإمكانات المتوفرة لدى الدفاع المدني وضعف الوسائل المتاحة تأخرت عملية انتشال جثة الفتاة التي وجدت ميتة على هيئة الجلوس بكامل ثيابها ولم تتحلل رغم مرور تلك الأيام العديدة على رحيلها رحمها الله.

الى هنا وثمة ألم على النهاية المأساوية لتلك الفتاة تجتاح قلوب الأشخاص الطبيعيين مضافا إليه غضب شديد لضعف الإمكانات المتوفر لدى الدفاع المدني والتي أخرت الوصول للفتاة طيلة الأيام الطويلة التي سبقت انتشال جثتها.

لكن الصحف السعودية لم تكتف بذكر الخبر بل الغريب في الأمر والمؤلم غاية الألم ذلك التعليق المشين والمثير للسخط الذي أوردته أكثر من صحيفة سعودية في نهاية الخبر عن تلك الواقعة فقد ذكرت تلك الصحف أن والد الفتاة يحمد الله على العثور على جثة الفتاة قبل أن تتحلل لكي تنقطع الأقاويل وتخرس ألسنة الناس!!

سبحان الله هل هذا هو ما كنت تنتظره أيها الوالد المكلوم في ابنتك التي انتهت حياتها بهذه الطريقة الحزينة

هل الأمر الذي هز أوصالك وحرك شجونك وأقلقك نهاية القلق هو أن تبقى ألسنة الناس مسلطة على ابنتك فيما لو تحللت الجثة أو عجز رجال الدفاع المدني عن انتشال أوصالها كاملة ؟!!

يا سبحان الله .. غيابها عن الحياة وفقدان ذويها ويتم طفلتها وفقد الزوج لها وكل تلك الحبائل والأوصال والأوشاج الانسانية العميقة تضعف قيمتها أمام الخوف من ألسنة الناس الذين قد يشمتوا وينكروا القصة من أصلها ويبدؤوا في نسج الأحابيل الكاذبة والقصص المفتراة عنها فيما لو غابت ولم يعثر على الجثة ؟!!

يا الله ارحمنا من ظلم بعضنا البعض وتسلط الغفلة والجهل على حياتنا .

أو قمة الإزعاج في هذه المأساة كلام الناس ؟ وماذا عن شهادة الشقيقتين وعدد من الصديقات في ابتلاع الأرض لتلك الفتاة التي سبقت من معها بخطوات قليلة فداست على سطح البئر المغطى بالتراب أو الحشيش او أي شيء خدع بصرها وأودى بحياتها على هذا النحو المؤسف؟!!

ماذا عن ألمكم الدفين أيها الأب الطيب ، ماذا عن الطفلة اليتيمة التي ستتصفح الوجوه كل حين تبحث عن وجه أمها فلا تجده ولن تجده أبدا في حياتها الدنيا ؟!!

من سيربي الطفلة اليتيمة ومن يعيد لها حضن أمها ومن سيروي لها قصص المساء ومن سيقبلها في ذهابها وإيابها من وإلى المدرسة ؟!!

أو لم يهز أعماقك أيها الجد المغلوب على أمره احتمال قلب الطفلة البريئة من كونها ستنشئ دون أشقاء لأن أبيها حتى لو تزوج لاحقا سيأتي لها إذا أراد الله بإخوة وأخوات من غير أمها لأنها بكل وضوح لم يعد لها أم تأوي إليها وتسر للقياها في كل وقت وحين؟!!

رفقا بنا يا رب إلى أي وضع مأساوي نصل بأنفسنا ، والى أي هوة من الظلم سحيقة نهوي بأفكارنا حينما نجعل من ألسنة الناس الجائرة حائلا يحول دون أن نسمح لمشاعرنا الحقيقية بالتعبير عنا والإفصاح عن آلامنا الحقيقية لا آلامنا المتوهمة !!

ثم أين كان الناس الذين تريد قطع ألسنتهم وكف سياطهم عن ابنتك الفقيدة يوم وقعت في البئر ، وأين هي تلك الألسنة الجائرة يوم أن فشل الدفاع المدني عن إنقاذ حياتها والإسراع في الوصول إليها وانتشالها من تحت الأرض؟!!

أين كانت تلك الألسنة التي تقيم لها وزنا وقيمة من تفقد حال آبار تنذر بالموت وتشير إليه وتدل عليه بل وتوصل إليه بلغ عددها أكثر من 150 بئرا فأين هي الألسنة المشرعة لتنتقد أولئك المهملين الذين وزعوا الموت على طول ذلك الطريق الحزين؟!!

أين تلك الألسنة التي تحسب لها ألف حساب من آلام حفيدتك وآلامك الخاصة وآلام أمها وأخواتها وزوجها وكل من عرفها وأحبها؟!!

أين تلك الألسنة التي تعمل لها ألف حساب من مواساتك أيها الأب المكلوم ومن مواساة الأم والزوج وأفراد عائلتكم ألا تستحقون عظيم المواساة وصادق التعاطف لما أصابكم من كرب وبلاء ؟!!

سبحان الله أو في موضع الموت شماتة ، وفي حادث الرحيل المؤلم استهزاء وسخرية وشكوك وأقاويل؟!!

ألم تكن تلك المرأة التي نحتسبها عند الله وندعو لها بمضاعفة الأجر في رحيلها جديرة بالمطالبة بفتح تحقيق ومحاسبة المهملين من أصحاب الآبار الذين تسبب أحدها في قتل تلك المرأة الآمنة؟!!

بالله من الأولى بالنقد والتجريح ، أو من ماتت في غفلة وذهول عن المصير المؤلم الذي آلت إليه، أم من ترك تلك الأرض وذلك المكان نهبا للكسل واللامبالاة وقلة الاكتراث بمصائر الناس ؟

بالله عليك أيها الأب الجريح إن جراحك الحقيقية والتي تعلمها جيدا هي جراح الفقد لتلك الابنة الأم أما جراح الخوف من سياط الناس فاعلم أن معاقبة تلك الألسنة نص ثابت في شرع الله، وعلى القاذف الماضغ المردد للأقاويل في أعراض الناس ثمانون جلدة تلسع ظهره الغافل وتذيقه من الكأس المرة التي أراد أن يسقيها الغافلين من المؤمنين والمؤمنات !!

إن حد الجلد على القاذف واضح في الشرع لا يحتاج لتأويل أو مداراة أو تحايل ، ومن يفتح فمه في مضغ عرض مسلم أو مسلمة فمصيره جلد مهين ينتزع وساوس الشياطين من رأسه ، ويعيد تربيته من جديد ويعلمه قدر المسلمين والمسلمات ومكانتهم في الإسلام

يا أبا الأم القتيلة اطلب ثأرك من كل من شمت بك وغفل عن أداء الواجب في حقك وحق ابنتك القتيلة واسمح لمشاعرك الطبيعية في الحزن والتوجع على الأم الراحلة أن تظهر ، وتأكد انك لم تكن محتاجا لجثة ابنتك لتثبت براءتها فبراءتها وطهرها مكفولان ككفالة دمها لا يحق لمسلم ولا مسلمة أن يجترآ عليهما بأي حال من الأحوال

أحسن الله عزاءك في ابنتك وبارك لك فيمن بقي من أفراد عائلتك وأبدل خوفكم أمنا وحزنكم سرورا وراحة بال ، وعوضكم بفقدها خيرها، وأسكنها فسيح جناته . إنا الله وإنا إليه راجعون

من تايلاند: دعوة لجودة الحياة

بقلم : مريم عبدالله النعيمي

لا تستغرب أيها القارئ الكريم العنوان فالمعنى الأول الذي تبادر إليك هو الصحيح إنها دعوة لجودة الحياة تأتينا من تايلاند ذلك البلد الآسيوي الذي عدت قبل أيام قليلة من زيارته للمرة الأولى لدولة في جنوب شرق آسيا .

كان ما وقفت عليه من صور ومواقف وسلوكيات يومية مكثفة كشفا جديدا بالنسبة لي ما كنت لأتعرف عليه لولا أنني اختبرته عن قرب .

إنها دعوة لجودة الحياة يقدمها أهل تايلاند لبعضهم البعض ولضيوفهم من مختلف دول العالم عبر حزمة متوالية من السلوكيات الراقية والذوقيات الاجتماعية التي بذلت زمنا طويلا من عمري في القراءة والبحث عنها عبر الجديد من كتب الإدارة والنجاح القادمة إلينا من الغرب .

ما كان مكتوبا في كتب الغرب حول أفضل أساليب العيش للوصول لجودة الحياة وجدته خيارا قائما وقرارا شمل الأفراد والجماعات بطريقة رائعة وجديرة بالاحترام.

من أول لحظة ينزل فيها السائح إلى مطار بانكوك يقف على سلوكيات رفيعة المستوى وأخلاقيات تعكس المستوى المتقدم في التواصل الإنساني الذي بلغه التايلانديون .

يأتيك الجواب قبل أن تسأل وتأتيك المعلومات حول أفضل طريقة للنجاح في تخليص إجراءات القدوم من موظفات وموظفين تدور أعينهم في قاعة المطار لتلتقط صور الجنسيات الوافدة فتبادر مسرعة بالاهتمام بها ، ورعايتها لبلوغ مقصدها في أسرع وقت ممكن .

بعد أن أنهيت إجراءات المطار كانت هناك حافلات أجرة تقف بنظام في انتظار القادمين من المطار ، وما بين الانتظار وركوب الحافلة بذلنا دقيقة واحدة فقط.

كنا قد اخترنا سلفا وعبر الانترنت الفندق الذي نود المكوث فيه طيلة أيام السفر وما هي إلا أربعين دقيقة أو أكثر حتى دخلنا بهو الفندق الرائع الذي تنساب منه المياه عبر نوافير صغيرة تتساقط بانتظام لتعطي الزائر معنى الاسترخاء وتشعره بأنه موضع ترحيب واهتمام.

اصطحبتنا موظفة الاستقبال لترينا إحدى الشقق الفندقية المتوفرة لديهم وللمرة الأولى وجدت نفسي أوافق على أول فندق أصل إليه في أي بلد وبدون أدني تحفظ.

إنه الشعور بالراحة والاطمئنان الذي يتسرب للسائح الباحث عن أماكن ترتقي معاييرها لمستوى الملاءمة والجودة في الخدمة المقدمة .

لقد كانت الساعة الأولى من الوصول لتايلاند ساعة ناجحة بامتياز وما كنت أقطعه في دول أخرى من زمن للبحث عن مكان مريح وملائم قطعت أقل من ربعه وأنا في تايلاند . ولأن التفاؤل من ديننا فقد تسرب إلى نفسي بأن هذا البلد يحترم الإنسان

لم يخب ظني على الإطلاق وصدقت توقعاتي بل وفاق الواقع أحسن التوقعات ووجدت نفسي قرابة عشرة أيام أعيش في بيئة متناغمة ومنسجمة ومترابطة وكل ما فيها يعكس جوهر روح هذا المجتمع المحب والمتعاون والمتحلي بأخلاق رفيعة نتمنى فعلا أن أجد مثلها بين أفراد مجتمعاتنا.

التحية والسلام ، الانحناء والابتسامة الصادقة ،  المبادرة في تقديم الخدمة، الهرولة لتلبية حاجة السائح أمور يتقنها من في الفندق ، ومن في الشارع وحتى سائقي التاكسي . الجميع في خدمتك والابتسامة العفوية والصادقة تظل رفيقتك مهما مكثت في بانكوك.

أي نوع من البشر هؤلاء إنهم لا يتجهمون ، ولا يرفعون أصواتهم عاليا ، يمشون في الطرقات وانحناءة التواضع تلازمهم كأن الأرض كل الأرض عشبا أخضر تحت أقدامهم ، يخشون عليه من التلف والإضرار فلا يكاد أحدهم يمشي إلا وهو منحني الرأس ، رفيق الخطو ، لا عجرفة ولا غرور أو اعتداد متطرف بالنفس .

بدأت أعتقد من شدة تركيزي على سلوكهم أنهم قد قرؤوا قول الله عز وجل : “والذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما “

إنهم هينون لينون طيبوا المعشر لدرجة لافتة ، وكان السؤال الذي يدور ببالي أي نوع من التربية تلقاها هذا الشعب ليسمو بسلوكه وبمستوى تواصله مع الناس إلى هذه الدرجة الرفيعة ؟!!

إن الشعب التايلاندي بوذي في مجمله فهل هي رسالة بوذا التي بها يؤمنون والتي تدعوهم إلى التصالح مع النفس والرضا عن الحال وخدمة الآخرين؟

أم هي طبيعة هذه الشعوب التي يغلب عليها الفقر وتتمتع في الوقت نفسه بطبيعة خلابة وأجواء صحوة تشجعها على الشعور بجمال الحياة، وروعة نعمة البيئة التي تعيش بها ؟!

كان أفراد عائلتي يشاطرونني الرأي نفسه، ويرون أن هذه الأخلاق لا تتواجد في مكان واحد وزمان واحد وبنفس الكثافة لدى مجتمعاتنا العربية مع الأسف .

ما الذي حل بنا وجعلنا نفتقد لتلك الروح الخدومة المعطاء المتوائمة والمنسجمة مع الحياة كما يفعل التايلنديون بمهارة وإتقان ؟!!

ما الذي حل بالعرب وجعلهم خشنو الطباع مشدودون للمال ومشغولون بالجمع على حساب استمتاعهم بما لديهم من نعم ؟!!

إن الشعب التايلندي أو على الأقل سكان بانكوك سعداء بما هم فيه ولذلك لا تستعصي عليهم الابتسامة ، ولا يسأمون من خدمة بعضهم البعض أو خدمة الغرباء عن طيب نفس وخاطر .

في الخدمة هم دائما وسواء في أماكن الإقامة أم في الأسواق التجارية أم في المستشفيات فالجودة في التعامل تأتي كخيار أولي لا يتنازلون عنه على الإطلاق .

في مستشفياتهم تكتشف معنى الطب الحقيقي لا الطب الزائف.

قاتل الله الطمع والطماعين، المتاجرين بصحة الناس، العابثين بمصائرهم الراقصين على جراحهم السارقين لجيوبهم والساخرين من آلامهم.

قاتل الله عددا من أصحاب مستشفياتنا الخاصة الذين شوهوا مهنة الطب وأفرغوها من معانيها الكبرى ، وحولوا الأطباء لجباة للمال الذي لا يكادون يشبعون منه في ليل أو نهار !!

أي فرق شاسع وكبير يفصل ما بين ما اختبرته في بانكوك وبين مستشفياتنا الحكومية منها والخاصة ؟!!

إنه فرق لا يحتسب بالساعات أو الأيام أو الشهور بل يحتسب بالسنوات الضوئية وقد كنت أكره الكثير من ممارسات الأطباء وطغيانهم غير المبالي بصحة الناس أما وقد وجدت النقيض الكامل في سلوك أطباء تايلاند فقد ازددت كرها وامتعاضا من سلوك عدد من أطبائنا ومستشفياتنا الخاصة المتاجرة بحياة الناس كما يتاجر أصحاب التأشيرات في بعض دول الخليج بأمن وسلامة أوطانهم!!

إنها لعبة قدزة ، ومعادلة مائلة ، وبخس في الميزان ، وإساءة للإنسان يوم أن يتحول الطبيب إلى شخص ماكر مهمته شفط جيوب المرضى والعبث بأوقاتهم ومشاعرهم وأمنهم النفسي والمادي ناهيك عن عافيتهم وسلامتهم.

في بانكوك تأتيك الصورة خضراء مشبعة بالكلوروفيل لا من النوع الذي يحتاجه النبات القريب المنتشر في مستشفياتهم وإنما الكلوروفيل الذي به يتوفر مستوى رفيعا من الاكتفاء برصيد الطبيب والممرضة من الأخلاق الإنسانية والمهنية على حد سواء .

وكأن الطب مات لدينا على أعتاب طبيب عربي نهم للمال لا يكاد يشبع منه . وكأن حبر العلماء جف على أثواب تأتيك بيضاء لوهلتها الأولى لكنها تلوثت من تلوث روح لابسها غير المبالي بصحة الناس وسلامتهم .

كانت وما تزال ذاكرتي مثقلة بالعشرات من الصور الكريهة لأطبائنا العرب المدججين بالألقاب والمسميات والأوصاف وكنت بحاجة بعد سنوات من إثقال هذه الذاكرة إلى مصحح بشري يحمل شهادة طب لمعالجة الناس فكان لي ما أردت إذ أتيح لهذه الذاكرة أن تدون سطورا نظيفة وتطبع بها لقطات راقية لأطباء يلبسون رداء الطبيب لكن الرداء يشرف بهم ويسعد لأنهم هم لا بسوه .

لم يكن لي من هم وأنا أثقل ذاكرتي بسلوك أطبائنا المتعجرف إلا أن أقف على سلوكيات أفضل تنتصر لمهنة الطب وتفخر بالأطباء ولدى أطباء بانكوك وجدت هذا المطلب سهلا إلى درجة لا تكاد تصدق .

الجميع يبتسم لك يرحب بك ، يعطيك من وقته ما شئت ويعتذر لك حتى لو لم يخطئ لو خاب ظنك به ، ولم يستطع الإجابة  على جميع أسئلتك .

الممرضات حالة استثنائية وشريحة هامة هي شريان العمل في ذلك المستشفى الذي ذكرني بما قرأت عن سلوك الشغالات في خلايا النحل وعن نشاطهن الدؤوب وعملهن المستمر .

كأن الذوق هنا يبتسم ، بل قد ابتسم واستراح واطمأن واستقر به المقام ولا أدري وقد أنعم الله علي بأجواء حسنت من ذاكرتي ، وجددت بها خلايا الثقة في الطب والأطباء هل كنت سأثق يوما بأن ثمة مستقبل مشرق للطب خارج عتبات الجامعة ومؤسسات البحث العلمي ؟!!

إن هذه المهنة الشريفة قد عبث بها لدينا وأسيئ إليها مرات ومرات ومرات ولكن بالرغم من كل ذلك ثمة شعوب ما زالت تحترم نفسها ، وتثق بذاتها تصالحت مع الحياة فصالحت الأحياء ، ورضيت بعيشها فأشرقت معاني العطاء في جنبات نفوسها .

لله كم أعطتني  هذه التجربة من ثقة كبيرة بمستقبل الإنسان على هذه الأرض وكم ازددت قناعة بأن  من يصنع اسم أمته  هو قرار جماعي باختيار السلوك الأفضل والأجدر بالإنسان.  

لقد اختار أهل بانكوك أن يعيشوا بسلام وأن ينشروا السلام فيما حولهم وآثروا أن لا يربطوا سلوكهم الرصين بمقدار الدولارات التي تأتيهم في آخر الشهر لأنهم ببساطة عرفوا أن الإنسان هو الذي يعطي القيمة للأشياء وليس العكس.

الإنسان وحده هو صاحب القرار في جعل من حوله يفرحون بقربه أو يشمئزون منه ويفرون عنه !!

الإنسان الذي أودعه الله عز وجل قدرات ومهارات مختلفة هو صاحب القرار في الطريقة التي يريد أن ينظر بها للناس من حوله .

وقد اختار أهل بانكوك أن يحترموا بعضهم البعض ويبادروا لتقديم الخدمة والمساعدة فكان لهم ما أرادوا وكان أن جعل الله لهم من أرزاق أهل الخليج نصيبا ، فالابتسامة التايلاندية النابعة من القلب كما قالت لي إحدى الصديقات تستحق أن تحلق لأجلها الطائرات .

تكمل تلك الصديقة قائلة : في كل عام ومهما اخترت من بلد للاصطياف فإن أصدق ابتسامة أراها في الوجوه هي ابتسامة أهل تايلاند ولذلك لا أتردد أن أقتطع جزءا من أيام السفر في التوجه نحو تايلاند.

ولأني اختبرت هذه التجربة فأنا أفهم تماما صدق ما تقول .

في الختام دعوة لأهلنا العرب أن يتصالحوا مع ذواتهم وأن يتساموا في نظرتهم للحياة والأحياء ولأدوارهم في الخدمة والبناء فلن ترقى أمة دون أخلاق راسخة وشعور صادق بقيمة التعاون والمبادرة والسلوك القويم في صناعة النهضة وبناء الحضارات.

 

كتاب تعلم كيف تحيا

المؤلف : مريم عبدالله النعيمي

الناشر : دار ابن حزم

2010م

التصنيف: في التنمية البشرية وفيه قراءة متنوعة لعلاقة الفرد بقيم النجاح مع تشخيص لسلوكيات الافراد تجاه ادوارهم في الحياة وتحليل انماط الاداء سواء في الاسرة او في محيط العمل

صورة تغني عن ألف كلمة

هذه الصورة عرضتها من بين عشرات الصور التي تضمنها برنامجي التدريبي ( رحلة التغيير ) لفئة الفتيات من سن16 -20 عاما . كان تفاعل الفتيات بحمد الله لافتا . وكانت الدعوة للقراءة هي المحور الذي دارت عليه الأيام العشرة للبرنامج التدريبي

دعوة مفتوحة للمربين أن يضاعفوا من جهودهم للتواصل مع اكبر عدد من الفتيان والفتيات اللذين يتطلعون بحب وثقة لفئة الكبار

وعلينا ان لا نخذلهم . مريم النعيمي

مع الله أم مع صنّاع الغفلة

بقلم : مريم عبدالله النعيمي

إنها دعوة صريحة للغفلة في رمضان تتوالى صورها عاما بعد عام وتصدم في فكرتها وطبيعتها أفراد المجتمع كلما اقترب الموسم الفضيل والشهر المبارك.

دعانا الله لبذل أقصى الجهد في الشهر الكريم لنعتذر له عن تقصيرنا في حقه ،  وعن زللنا وغفلتنا طيلة العام،  ودعانا القائمون على فضائياتنا أن نتجمهر لنحملق ساعات وساعات في وجوه شوّهها البوتكس ،  وتكبير الشفاه وكمية المساحيق التي تكفي لتلويث البيئة والإضرار بطبقة الأوزون التي أضر بها سلوك البشر!!

إنها الأطنان من الغفلة ظاهرة وباطنه في اللغة الماكرة التي نشهدها في كل عام

وإلا فما معنى تلك الملابس المبهرجة والوجوه التي كأنها توشك أن تنزل للسيرك لتضحك الأطفال والعجائز بل وتلك العبارات والنقاشات الحادة التي تجلجل في أماكن التصوير وأنحائه وزواياه .

مسلسلات يزعمون أنها خليجية وإذا بها شكلا ومضمونا وروحا تقع خارج التصنيف وتصنف في مجال البهرجة والزيف والعبث بالأمور وعلينا نحن أن نصفق ، وأن نزدرد الكذبة ونبتلعها حسب المقاس المعروض والوصف المشاهد !!

بكل بساطة ودونما حاجة لاختصاصيين في علم النفس أقول أغلب ممثلات الخليج جاوزن حد المنطق والمعقول ويمارسن ضحكا على الأذقان والعقول وهن يمضغن بعض المفردات التابعة لقاموس أهل الخليج .

ان الأسرة الخليجية في زمانها الأول ويوم أن كان العيش صعبا والحال ضيقا كانوا في سعة من أخلاقهم وفي صلة مع ذواتهم وقيمهم التي لم يضعفها فقر أو حر أو بيئة قاسية .

والأسرة الخليجية اليوم رغم التحديات التي تمر بها ما زالت في منآى عن السقوط إلى المستوى الهابط الذي تظهر عليه أغلب نجمات الخليج ( الممثلات)

نعم هناك مساحة شاسعة بين الفئتين ، ومن المشين والمعيب ومن السخرية بالذات أن نظن أن هذه المسلسلات تعكس ما يدور في البيت الخليجي المعاصر الذي ما زال يقدم للمجتمع صورا مضيئة لشباب ناجح،  وفتيات يبحثن عن فوز حقيقي لا فوز مزيف ومغشوش .

أذكر أنني تابعت بعد انقضاء الشهر الفضيل مسلسلا خليجيا كتبته ومثلته حياة الفهد وكان المسلسل يناقش جحود الأبناء ورغبتهم في نهب مال الأب وهو حي يرزق !!

كانت الصورة الأكثر قبحا للبنت الشابة غير المتزوجة التي كانت مهووسة بالملابس والبهرجة ومتابعة الموضة، وكانت شرسة الطباع حادة السلوك قاسية القلب باردة المشاعر لا تعرف لأب حقا ولا لأم واجب !!

لم تكن جرعات المسلسل المتهالك الأداء والمضمون لتقنعني بأن المسلسل يناقش قضية تستحق النظر أو تستوجب إعلان حالة الطوارئ

لقد أرادت كاتبة المسلسل وبطلته أن تقنعنا بأن ثمة أزمة في الأخلاق والمروءة والفضيلة وقيم الحياء تراكمت في بيت واحد لكني أسألها هل هذه الصورة لها امتداد حقيقي ووجود في بيوتنا وعوائلنا ؟!!

وهل يوجد في بيت واحد إخوة وشقيقة يقدمون من أصناف الجحود واللامبالاة بأبويهم ما يثير الاشمئزاز ويبعث على الرثاء كما يقدمه هذا العمل الغريب

وحتى لو قلنا أن الصورة لها ظل في الواقع فإلى أي حد يجسد هذا الظل وجودا قائما ومنتشرا ومكررا وله حضور في النسيج الاجتماعي الخليجي ؟!!

إن الصورة اللاأخلاقية التي عبرت عنها تلك الفتاة الابنة في هذا العمل لا تعكس الوضع الطبيعي والقائم اليوم في أسرنا . وحتى لو كانت هناك سلوكيات شاذة فهل سيصل الأمر بتلك الفتيات إلى الحد الذي ظهرت فيه الممثلة التي جسدت ذلك الدور ؟!!

في الحقيقية إنه المكر السيئ “ولا يحيق المكر السيئ الا بأهله” . ونشر القبح وتجسيده وتقديمه على أنه نموذج متوفر بكثرة في الحياة هو كذب ومغالطة كبيرة

وكم من مقالات كتبت ، وسطور خطت ، وأسماء لها وزنها ناشدت أن تكون الأعمال الخليجية المقدمة في رمضان قريبة من الحياة ، وليس بها كل ذلك الافتعال والتصنع والغرابة !!

والسؤال الأكبر أوفي شهر التواصل والوصال ، وشهر الفضل والزيادة في العبادة وأعمال البر تتهاوى أعمال صرفت عليها الملايين لتسحب البساط من تحت أقدام المراهقين والكبار وتنقلهم من تفقد رصيدهم مع الله إلى البحث في الريموت عن ساعات جديدة يمضيها الصائم مع صناع الغفلة والعابثون بالحقائق المشوهون للصور ؟!!

هل هذا هو الخيار المناسب لأيام من العام معددود تأتي على مهل وتذهب على عجل ، وتأتي متروية وتغادر مسرعة فهل هذه كرامة رمضان وقدره لديكم وهل هذا الموسم العظيم يستحق أن يقابل بكل هذا المكر وكل تلك السخرية؟!!

إننا لا نسخر إلا من أنفسنا حينما نرضى طائعين أن نتبع صنّاع الغفلة وننبهر بما يقدمونه ونتأثر بفكرهم ونظرتهم للحياة !!

إننا حينما نعطي العقل إجازة مفتوحة من التفكير ، ونرضى بمن يريد أن يختطف منا أجمل ساعات العام ولياليه نكون وبأيدينا قد ساهمنا في صناعة الغفلة والدفاع عنها. فهل هذا خيار ناجح واختيار جدير بالاعتبار؟!!

 

 

جدتي ودور لا أنساه

أبدأ بنفسي وإضافة لدور أمي الكبير في حياتي كان لجدتي والدة أمي الدور الأهم في ربطي بقيم الإسلام وتقريب صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلى حد كبير حتى جعلته ومنذ كنت صغيرة النموذج الأكبر الذي يستحق محبتي وتقديري .

كانت جدتي رحمها الله امرأة كثيرة العبادة تطيل قيام الليل ، وتصوم من العام أكثر مما تفطر ورغم أنها كانت فاقدة للبصر فقد قذف الله في قلبها نورا جعلها كالمبصرين في قدرتها على التواصل مع الحياة والتأثير بهم

وفي حين كانت أمي  مشغولة بواجبات البيت ومسؤوليات تربية إخوتي كانت هي قد آثرتني بحبها ، واختارتني لتعلمني أشعارا عن رسول الله وتتلو علي من آيات القرآن بصوت عذب لم أسمع في حياتي مثله لامرأة لا قبل ولا بعد.

كانت جدتي رحمها الله في نظري إنسانة مختلفة وكل ما كانت تقوله كان بنظري كلاما يستحق الاهتمام

وبقدر ما تعلّقت بي تعلّقت بها ، ويوم أن قررت أن تسافر إلى قطر للحاق بخالتي أذكر أنني كدت أن أموت هما وغما وكمدا .

ومع ذلك ظل تأثيرها الكبير في نفسي إلى هذا اليوم

وما غرسته فّي من صفات، وما علمتني من كلمات،  وما روتني من أشعار ما زالت كلماته تتردد في نفسي حتى هذه اللحظة.

وذا ما قست الحياة وأصبحت المشاعر من حولي باردة تذكرت دفئ مشاعر جدتي ، وروعة صفاتها فعادت ثقتي بالخير الذي في النفوس وأشرقت الحياة في نظري من جديد وكيف لا وقد تعلمت من امرأة عمياء أن الارتباط بالسماء يحلق بالنفس إلى آفاق بعيدة ويكسبها التوازن والصحة النفسية رغم كل ظرف ومحنة

 هذه هي المرأة الأولى في حياتي التي استطاعت أن تحفر في داخلي وتكتب سطورا لم تزدها الأيام إلا إشراقا وقوة وأصالة .

رحمها الله فقد أعطتني في زمن وجيز ما لم يعطني غيرها في سنين طويلة.