Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘Uncategorized’ Category

بقلم : مريم عبدالله النعيمي
خمسون عاما وأكثر هو عمر التغريب المكثف الذي خضعت له مصر من فوق ترابها والذي تسبب في نتائج اجتماعية على مستوى الوطن العربي لا يمكن بحال تصور حدوثه قبل تلك الفترة .
كانت مصر قبل عقود ستة حالها كحال عموم المجتمعات العربية ترى في الدين منهجا للحياة وترى في التمسك به خيارا مبدئيا لا يقبل النقاش والجدال .
ورغم ما وقع فيه المجتمع المصري من تحديات كان أبرزها الاستعمار الإنجليزي الذي جثم عقودا على صدور المصريين ورغم التخبط السياسي الداخلي والخارجي للحكم التركي مجسدا في أحفاد محمد علي إلا أن المجتمع المصري في عمومه ظل شامخا باعتزازه بالدين كرمز للهوية وكنموذج للانتماء .
بنية المجتمع المصري ظلت حتى قبل خمسين عاما ملتحمة بفكرة التدين الفطري الذي يصبغ على حياة المصري تماسكا ويمنح تلك الحياة صلابة وقدرة على المواصلة والاستمرار في وجه التحديات .
الأمر ذاته انسحب على عموم المجتمعات العربية التي وإن ظل جزء منها يعيش نهايات عصر الاستعمار إلا أن الاعتزاز بالدين والتدين كان أمرا مفروغا منه بغض النظر عن التفاوت في التطبيق .
قبل خمسين عاما انطلقت سينما الأبيض والأسود في مصر كواجهة للتفاعل بين الشرق والغرب وكان الإعلام أداة سحرية والسينما مادة ترفيهية لم يكن للمصريين بها عهد أوصلة إلا في تجارب أولى ومحاولات بسيطة تمخض عنها بعد ذلك ولادة سينما ذات ملامح خاصة وصبغة معينة اصطبغت بها .
وجاء مع السينما بل ومن خلال السينما ما لم يكن للمصريين به عهد من قبل وجاءت الأنماط السينمائية والشخوص التي تقدم تلك الأنماط صورا جديدة تعكس حالة جديدة بصورة غير مألوفة أو معروفة .
إذ لم يكن هناك من يتصور ظهور مادة فيلميه مصورة تجمع بين رجل وامرأة ترتدي ملابس غير محتشمة وتقدم مشاهد عاطفية في إطار ترفيهي وفي قالب سينمائي يغري بالمشاهدة .
كانت مصر كباقي دول الوطن العربي ترى في احتشام المرأة صورة تدل على النضج والالتزام واحترام القيم ولم يكن متصورا ظهور أنماط نسائية تلبس ملابس الغربيات وتقدم أنماطا سلوكية ليس لها علاقة بالالتزام والاحتشام لا في الهيئة ولاحتى في الفعل والكلمات .
انقلبت الصورة المقدمة للفتاة الناضجة رأسا على عقب ووجدت الصحف في النماذج النسائية الجديدة مادة إعلامية سهلة وجذابة.
وأتت نعوت الثناء بالمكاييل ، وانهمرت ألقاب التمجيد والتفخيم والتضخيم كالمطر في موسم ممطر.
وجاء التلفاز مباركا ومرحبا ومستوعبا تلك النماذج السينمائية التي أنتج بسببها العشرات من الأفلام الوثائقية ، والمقابلات الحية والعروض المختلفة التي تصب كلها في وعاء اسمه الحداثة ومواكبة روح العصر .
استمر تمدد الموجه وعلا ارتفاعها لتتبعها موجات متلاحقة شكلت حالة من الانجذاب والإعجاب والتأييد لهذا النوع من الترفيه الناعم .
غذى تلك الموجة وزاد من انتشارها أدب مكشوف ، وروايات ضربت على أوتار العاطفة ، وجرد أصحابها أقلامهم في رسم صور فضفاضة وفي وضع ملامح جديدة للعلاقة بين الرجل والمرأة .
واكب كل ذلك تسجيلات من الأغاني التي غذت تلك الأفلام وحلقت بها في سماء الخيال الباحث عن المزيد والمزيد من تلك العروض والأعمال .
وتم استنساخ التجربة المصرية التي قيل عنها أنها ملهمة ومحفزة للإبداع والإنتاج العبقري الجديد وبالطبع كانت لبنان النموذج الأكثر استعدادا لهضم الحالة الإعلامية المصرية والتقدم من خلالها كنافذة جديدة من نوافذ الإعلام الجديد ذو القوالب المتحررة من قيود الدين والمجتمع .
دخل الإنتاج الأردني على الخط تلفازيا ولكن بتحفظ شديد وبضوابط أكثر وضوحا واحتراما للخطوط الحمراء من النموذج المصري المقلد .
في سوريا وفي الكويت ثم بعد ذلك سائر الوطن العربي ظهرت نماذج نسائية جديدة تريد أن تضع بصمتها في المسلسلات العربية وقد تباين إلى حد كبير وضع المرأة كما اختلفت الأطر التي قدم من خلالها دور المرأة والنموذج الذي تجسده .
لكن النموذج المصري ظل متقدما بمراحل لا تجارى ليس فقط من حيث المساحة المتاحة للعلاقة بين بطلي الفيلم فحسب وإنما من حيث الكم الذي لم يعد ثمة شك في أنه متفوق على الجميع .
مقدار تأثر المجتمع المصري بتلك النماذج النسائية الجديدة لم يكن من السهل قياسه ولكن ظهر دون شك وتبلور بعد خمسة عقود من الفعل المتصل حالة من التقليد الذي تنامى بدوره وشكل حالة من التقليد الكامل لسيدة الشاشة العربية ( فاتن حمامة) ولمعبودة الجماهير (نادية الجندي ) ولسندريلا الشاشة ( سعاد حسني ) ولقطة الشاشة ( لبلبة ) ولهند رستم مارلين مونرو العرب ولكل أنثى جسدت النموذج السينمائي.
عدد السائرين في الركاب من المذيعين والمحررين وسائر الكوادر الاعلامية كان كبيرا جدا .
فالمواد الإعلامية صارت صدى للممثلين والممثلات والمطربين والمطربات وتضخم فريق الكتاب والمذيعين الذين لا يرون في سماء المجد نجوما تطاول قامة أبطال السينما والتلفاز .
لقد صاروا أقمارا في الليلة المظلمة ومصابيح في دهاليز العتمة وقناديل في الليالي التي يفتقد بها البدر .
قدموا على أنهم نماذج جسدت البطولة والقيم والجمال في حياتنا ورصدت ميزانيات باتت تتضخم عاما بعد عام لتقديم طوابير الانتظار وفتح المجال للراغبين والراغبات السير في طريق المجد المتاح .
وكما هو متوقع كان هناك صدى لا يمكن نكرانه لتلك النوافذ المفتوحة على المجد والمال والشهرة . وإذا كانت النعومة النسائية والصوت الحنون والموسيقى الناعمة أدوات سهلة للنجاح إذن فليطلق العنان للموسيقى حتى تصم الآذان ، وليطلق العنان للرقص ومحاكاة الكليب الغربي دون أي نكران .
ولتتحرك الكاميرا بجنون غير مسبوق وليصبح المخرج هو ذاته أحد المخدرين تحت أنغام الموسيقى والجو الفاضح الغريب وليكن بعد ذلك ما يكون !!
واحتار الخيرون منا والصالحون أي الفريقين أحق بالأمن وأيهما أجدر بالنجاح والتقدم : هل هي تلك الفئة المتمردة التي وضعت الفن فوق كل اعتبار أم هم أولئك المنهمكون في أهدافهم السامية المنقطعون لأعمالهم المشروعة ولكسبهم الحلال ؟!!
وزاد من حد الغرابة والخوف من القادم والمجهول تلك البرامج التي تبحث عن الهواة في عالم الرقص والغناء والتي كشفت عن طوابير يصل عدد أفرادها إلى الآلاف وكلهم لهفة وشوق لإجازة الحكام المحترفين وقبولهم في دنيا الرقص والراقصين.
جاءت البرامج ال ( إم بي سي ) لتفتح نوافذ جديدة لأولئك الذين وجدوا في عالم الرقص والطرب فرصتهم الكبرى للشهرة والمال والذهب .
فخاف الصالحون ، واحتار المربّون ، وتعجب الكثيرون حين رأوا الفتيات والفتيان بالآلاف وهم يرقصون ويتمايلون على المسرح كيفما يشاؤون
هل بلغ بنا التغريب إلى هذا الحد ، وهل وصل العطب إلى العصب ، وهل يرجى برؤنا وهل يفلح شبابنا وشاباتنا ؟!!
وتكاثرت الأسئلة كالسيل المنهمر فإلى أين نحن نقاد ، وما هو الحد الذي سنبلغه إن ظلت الصورة هكذا ؟!!
لكن ما وراء الصورة كان شيئ مختلف ، وما خلف الألوان التلفازية ثمة عالم حي ينبض بالخير الوفير . كما أن ما وراء تلك الجموع الراقصة أفواجا مليونية لا ترى في غير الهوية والحفاظ عليها صيغة وصبغة ومرجعية .
جاءت انتخابات مصر قائدة التغريب في الوطن العربي في المجال السينمائي والتلفازي بل وفي الروايات الأدبية جاءت لتقول إن مصر الحية حرة ، ومصر المجتمع هو الأفق الذي علا فوق تلك السفاسف وسما فوق تلك الأضواء الباهتة!!
إن إضواءكم يا أهل التغريب لخافتة ، وإن سماءكم لقريب سقفها، كما أن ناركم لا نكاد نراها أو نحس بها !!
هكذا جاء المجتمع المصري بملايينه لا بآلافه ، وبجموعه لا بفرق قليلة العدد ممزقة القلب والهوى جاء ليقول وعبر صناديق الاقتراع نحن نختار أهل التدين لا أهل الحداثة ليحكمونا وليتولوا شأننا .
أين ذهبت ريحكم يا من رأيتم في التدين ضعفا ، وفي الالتزام علامة على الجهل والتخلف ؟!!
أين ذهبت الملايين التي صرفت من أجل صد المجتمع المصري عن دينه وتطبيعه مع قيم الغرب وأنماطه المعيشية ؟!!
كيف تبخرت كلمات المذيعين والمذيعات من المتنورين والمتنورات اللذين لا يستضيفون إلا أمثالهم من الساخرين من المحجبات والملتحين؟!!
كيف طارت شعاعا آلاف المواقف العاطفية التي قدمتموها في السينما كنماذج لما يمكن أن يربط بين الجنسين في الحياة الجامعية والمهنية
كيف انمحى أثر الأغاني العاطفية التي اختزلت حياة الشباب في البحث عن فتاة أحلام تلبس الجينز ، وتشرب السيجار ، وتركب خلف الشاب فوق دراجته البائسة!!
كيف طارت ، كيف انمحت ، كيف اختفت آلاف الدروس الحية والمسجلة عن كون المتدينين من السذج والبسطاء والجاهلين وكيف لم تنطلي على ملايين المصريين حججكم في أن المتدينين سيقهقرون مصر ويعيدونها إلى الوراء؟!!
لماذا لم تنطلي شائعاتكم إلا عليكم ولماذا لم يتأثر الشارع المصري وعبر صناديق الاقتراع بعشرات بل بمئات الدعاوى والشبهات التي ألقيتم بها أيها المتحررون ضد المتدينين
ترى هل كانت ثمة شائعات وتهم يمكن أن تؤثر على المصريين وغابت عنكم أم هل تراكم وأنتم تسخرون من المتدينين وتصفونهم بالجهل و السذاجة والتخلف غاب عنكم ذكر فوائد التحرر ، والتخفّف من الدين ؟!!
كيف عجزتم يا أساتذة الجامعات من المعجبين والمعجبات بكليبات نانسي عجرم أن تقنعوا المصريين بأن الطريق للوصول إلى المريخ قبل الولايات المتحدة يأتي عن طريق مزيد من الانفتاح بين الجنسين والذوبان في بوتقة المدنية الغربية المعاصرة .
لقد كان أمامكم يا أهل التغريب والعلمنة والتمذهب بمذهب التحرر من القيود والضوابط الدينية لقد كان أمامكم فرص كبيرة لمضاعفة جهودكم في تغريب المصريين .
ولعل هذه هي الحلقة المفقودة في فهم ما آلت اليه الأمور في صناديق الاقتراع .
لعل كم المسلسلات والأفلام والأغاني الماجنة لعله كان قليلا ولعله كان محدودا ولعلكم غفلتم أن تطرقوا البيوت بابا بابا ، وتحذروا الناس من الاعتقاد بأن النجاح مع الله وفي الحياة أمر مستحيل !!
لعله فاتكم أيضا أن ترسلوا رسائلكم لكل بريد ألكتروني ، وتنتشروا أكثر على صفحات الفيس بوك والتويتر وتطلقوا لخيالكم العنان في ابتكار المزيد من الشبه والشكوك ووصم المتدينين بها .
نعم يا أهل التغريب والحداثة لقد قصرتم كثيرا في أداء واجبكم تجاه تفريغ الدين من قلوب المصريين .
لقد فرطتم في أداء دوركم المرسوم في إعلان الحرب على المتدين الطموح الذي يرى في نفسه القدرة على الجمع بين الدين والدنيا .
لقد فرطتم يا رمز العلمنة والحداثة والتجديد في السير حتى آخر الشوط لتوجيه ضربات قاصمة للمتدينين .
وللحق والحقيقة فالضرب هذه المرة جاء عليكم ، والانقلاب هذه المرة حدث لكم أنتم وما ظننتموه كابوسا صار واقعا ، وما كان فزَاعة صار قدرا ، ومن كان مهانا اختارته صناديق الاقتراع ، ومن ألقي في غياهب السجن نهض ليقود الجموع ، ومن حاولتم إسكات صوته اختاره الشعب ولا أدري يا أهل التغريب هل أعزيكم أم أهنئكم ولعلي في المقامين محقة ؟!!
فالعزاء واجب في حقكم فنيرانكم لم تعد تدفئكم فكيف بها تدفئ من دونكم
أما التهنئة فلأنكم عما قريب ستبصرون وتعرفون الفرق بين من باع ومن اشترى ، ومن طفف في الميزان ، ومن عدّله وسوّاه وساواه .
الأمل قريب أنكم عما قريب ستكتشفون إلى أي حد كنتم واهمون ، وما ظننتموه عن قصد كيان هزيل سيوفيكم بالكثير وستكونون أنتم أول المستفيدين وأكبر الرابحين والسبب إذا حكم الميزان فلن يبخس حق لإنسان .

Advertisements

Read Full Post »

رسائل حملها جوالي
بقلم : مريم عبدالله النعيمي
اليوم وفي صباح هذا الاثنين 20/6/2011م قمت بزيارة إحدى المدارس الإعدادية الحكومية وبعد مكوث دقائق بسيطة في ساحة المدرسة ذات المبنى التقليدي المكشوف على شمس حارقة وجدت نفسي أحترق من شدة الحرارة التي تتجاوز خمس وأربعين درجة مئوية الأمر الذي يثير الغضب ويشعر بالرغبة في الصراخ على هكذا أوضاع غير إنسانية يحياها الكثير من الطلبة والطالبات في المدارس الحكومية ذات المباني غير المهيأة لحرارة صيفنا الحارق
عندما عدت لمنزلي كتبت رسالتين نصيتين وأرسلتهما من هاتفي الجوال لبعض المسؤولين والإداريين والتربويين والإعلاميين .
وهذا نص الرسالة الأولى:
انظر إلى المهزلة مديرات ومدراء المدارس يجلسون في غرفهن المكيفة والطلبة والطالبات يحترقون أمام المقاصف المدرسية وتحت المظلات الوهمية …نجاة طلابنا من ضربات الشمس هي معجزة إلهية كاملة سبحان الله …مريم النعيمي
نص الرسالة الثانية :
في الولايات المتحدة تنفق مئات الملايين من الدولارات لرعاية الكلاب وبناء بيوت لائقة مخصصة لهم.وفي بريطانيا لا يوجد حمار واحد متعب وفي كثير من مدارسنا الحكومية في الإمارات لا صفوف جيدة مكيفة ولا بناء لائق يحيط بالفصول ..ما أسعد كلاب أمريكا وحمير بريطانيا وما أقسى عيش طلابنا وطالباتنا الذين يدرسون في تلك المباني غير المهيئة لهم.
مريم النعيمي
قراء هذه المدونة الكرام لدي قناة راسخة لو استخدم كل منا وسائل العصر للتعبير عن رأيه فإننا لا شك سوف نتقدم بحياتنا خطوات للأمام . أرجو أن تظل الكلمة الصادقة هي أحد وسائلنا الفاعلة والمفعلة لإحداث التغيير الذي نريد

Read Full Post »

المعلمة رزان تحت الطلب
بقلم :مريم عبدالله النعيمي
كانت حلقة تلفازيه ثم قدمت كدورة تدريبية والآن أكتبها كمقالة مدونة جملة من الملاحظات والتعليقات التي وردتني من جمهور متنوع بعد متابعته لأحوال المعلمة رزان .
المعلمة رزان قد تكون مدرِّسة في مدرسة ، أو أمًّا ، أو صديقة . كذلك قد يشاركها الحال المعلم عمر ، أو الأب زيد ، أو الموظف سعيد .
خطوط ودوائر متشابهة تجمع كثيرين بالمعلمة رزان التي غدت أنموذجا تكثر من حوله الملاحظات والتعليقات ممن شاركن معي في حلقات نقاشية ودورات تربوية بدا لهن أنهن كلهن رزان وكلهن بحاجة لجلسة طويلة وصريحة مع الذات.
من صفات هذه المعلمة أنها طيبة القلب لحد كبير ، صبورة صبر الجبال في ثباتها أمام الريح ،كما أنها مثابرة ، وتتمتع بالنشاط والانضباط المهني.
هي شيء لافت للنظر من حيث الانضباط .. الطاعة لعمياء..السكينة . وإيثار السلامة في كل شيء !!
وحتى تكتمل صورة الموظفة المطيعة كان وجود مديرة مدرسة تقليدية تستثمر شخصيتها المسالمة لصالح تحقيق أغراضها الشخصية وإرضاء رغبتها في وجود موظفة لا تناقشها في رأي ، ولا تعارضها في مطلب أمر مفروغ منه.
المعلمة رزان الشخصية المتعاونة صارت هي الصيد الثمين والذي أتى مغنما باردا لم يكلف كثير عناء لنيله، والظفر به .
ولأن المديرة العتيدة ليس لديها وقت لتضيعه في عرض أفكارها على المعلمات وتوزيع المسؤوليات بالطريقة الطبيعية والمناسبة فقد وجدت في رزان الشخصية النموذجية التي تشبع لديها هذه الحاجة .
فرزان على سبيل المثال صارت مكلفة بمتابعة نشاط المقصف المدرسي كما أنها المسؤولة عن متابعة أعمال الإذاعة المدرسية.
ولأنها شخصية متعاونة فقد أسندت إليها المديرة الماهرة في اقتناص الفرص مسؤولية تنظيم حفلة المتفوقات ، كما كلفتها بشراء هدايا الحفلة وأسندت إليها أيضا تحضير المادة المقدمة في الحفل المذكور .
رزان المدرسة المتعاونة التي لم تتدرب يوما على الأخذ والرد والتي كانت تظن أن أفضل طريقة لتجنب الصدمات هو الرضوخ للأمر الواقع صارت مع الأيام مثقلة بأعباء أكبر بكثير مما كانت تظن وتعتقد .
تعود رزان إلى بيتها وهناك غصة وشعور بحرقة في المعدة من كثرة الضغوط والمطالب المستمرة التي ألقى على كاهلها تباعا من قبل مديرتها الشامخة .
ولأنها لم تجر حوارا بينها وبين نفسها يوما لتعرف طبيعة الدور الذي خلقت لأجله ، وطبيعة الأهداف الحقيقية التي كانت قد حددتها لنفسها قبل وصولها لأعتاب المرحلة الجامعية فقد تبددت نفسها شعاعا ، وضاقت عليها الأرض بما رحبت ومع ذلك لم يخطر ببالها أن تقول لمديرتها الخرقاء ما هكذا تكون القيادة ولا هكذا يكون تربية الصفوف التربوية القيادية والشخصيات التي تنتج قمما طلابية ناضجة !!
لم يدر ببال رزان يوما أن تسأل نفسها أهم سؤال : وهو ماذا أريد من مهنة التعليم وكيف أصل إلى ما أريد؟!!
لم يخطر لها مجرد الوقوف والتروي في قراءة سلوكها المهادن الراضخ لمشيئة تلك المديرة التي تطلب الراحة لنفسها ولو على حساب معلمة كان يمكن أن تقدم شيئا أفضل لمجتمعها الطلابي ولنفسها قبل ذلك !!
المديرة التقليدية التي تتكرر صورتها عشرات المرات في مدارسنا ومؤسساتنا ودوائرنا الحكومية وجدت في رضوخ رزان فرصة لا تقدر بثمن ، وقد لا تتكرر كثيرا .
ولأن المديرة عرفت أن كل ما تريده هذه المعلمة ابتسامة تشجيعية، وتقديم الشكر العلني لها أثناء الاجتماع العام للمدرسات فقد أغرقتها بالمديح ، وأمطرتها بوابل من كلمات الشكر وكان ذلك كافيا لتستمر الدائرة المفزعة في مضاعفة الطلبات وتواصل إيماءات الموافقة من تلك الشخصية المهادنة والموافقة .
مرت عشر سنوات كاملة ورزان تؤمر فتطيع ، ويطلب منها فتستجيب ، ثم لا شيء جديد يلوح في الأفق بإحداث تطور حقيقي في فكر وإنجاز رزان الشخصية المهادنة للواقع المتصالحة معه على أي حال وهيئة!!
بعد تلك السنوات العشر نظرت رزان لمن كان حولها يوما من المعلمات فوجدت إحدى الزميلات قد صارت مديرة لمدرسة نموذجية ، ومعلمة ثانية كانت تحب الأدب بات لها أعمدة أدبية في أكثر من صحيفة مرموقة.
معلمة ثالثة استقالت من التعليم وانضمت لمؤسسة أخرى تتوفر بها شروط تحفيز الموظفين ، وتطوير مهاراتهم المهنية
ومعلمة رابعة كانت تستعد للمقابلة للحصول على درجة موجهة مادة .
أما رزان فقد ظلت كما هي تنظر تحت قدميها دائما ولا تكاد تتطلع لشيء أكبر من ذلك !!
لكنها وبعد دورة كاملة في تفقد حال زميلاتها شعرت لأول مرة بحقيقة الوضع الذي هي فيه على صورته الطبيعية وبألوانه الأصلية .
عرفت رزان أن الخطأ لم يكن يوما خطأ المديرة الفاشلة في استثمار المواهب والطاقات لكنه خطأها هي التي رضيت بشخصية ضعيفة مسالمة مستكينة تقبل بمرور أيام عمرها و، هي تحمل فوق كاهلها ما كان أولى بأن يوزع ويقسم لينفذ بطريقة أفضل وأحكم !!
عرفت رزان أنها هي المخطئة بحق نفسها لأنه لم يكن لها ببساطة أجندة عمل أو وصفة كاملة لما تريد أن تنفذه في صفها ومع طالباتها .
أخطأت رزان لأنها لم تكن تنتمي لهدف حقيقي تعتنقه اعتناقا كاملا وترى أن من واجبها أن تدافع عنه وأن تشجع الآخرين على معرفته بل والتعاون معها في تحقيقه.
أخطأت لأنها أهدرت وقتها في شراء وتغليف هدايا الطالبات وقد كان هذا عملا روتينيا يمكن أن يقوم به أي شخص بدلا عنها.
أخطأت في القبول بأعمال متفرّقة متنافرة لا تتسق ضمن منظومة تتناسب وتحقيق إنجاز في عملها المهني ورسالتها العلمية والأخلاقية للطالبات !!
أخطأت لأنها جعلت رضى المديرة فوق كل مطالبها، ولأن طالباتها قد تراجعن للرتبة الثانية فغاب التطوير وتضاءل الإعداد وتناقص المنجز وتراكمت الدروس التقليدية لأنها لم يعد لديها وقت للإبداع مع الطالبات !!
أخطأت لأنها ظنت أن مهمة التعليم تقف عند حد تلقين الطالب والطالبة ما في المنهاج ثم الانصراف عنه لأعمال روتينية باردة لا يعود أثرها المباشر على تجويد عقول الطلبة والطالبات والارتقاء بأدواتهن المعرفية!!
أخطأت لأنها لم تفتش عن صوتها الداخلي ولم تنظر لمرآتها وصورتها المثالية التي رسمتها لنفسها يوم أن دخلت كلية التربية ولسان حالها يقول سأنشئ أمة وأقيم دولة العلم في كل القلوب التي أدرسها .
أخطأت لأنها رضيت بكلمات تشجيعية عابرة تلفظت بها مديرة ساذجة بين حين وآخر أثناء انهماكها في خدمة أنشطة عادية ومكررة بدل أن تواجه تلك المديرة بالحكمة ، وبما يتطلبه موقف المعلم الغيور على وقته ، وعلى تطلعاته العليا في الحياة.
أخطأت لأنها ظنت أن طريق السلامة في المهادنة والمصانعة والقبول برأي المدير والمسؤول حتى ولو كان رأيه باردا ، وفكره جامدا ، وعقله متحجرا ، وإرادته مشلولة .
أخطأت لأنها غفلت عن كون النجاح التربوي يغذى بفكر مقوم ، وشخصية ناضجة لا تعرف الانكفاء والانبطاح أمام الإدارة والمدراء .
باختصار شديد إذا لم تكن للمعلم أو لأي فرد آخر شخصية مستقلة طموحة تتطلع لتحقيق فرق في الحياة فمن الطبيعي أن يتحوّل هذا الفرد رجلا كان أم امرأة لصورة أخرى من صور المعلمة رزان
والحكمة في هذا معروفة ( إذا لم يكن لديك هدف أصبحت هدفا للآخرين)!!

Read Full Post »

مثقلة حتى في موتها

حزنا على غياب فتاة أم الدوم

بقلم مريم عبدالله النعيمي

مثقلة حتى في موتها ، مثقلة منذ لحظة ولادتها للدنيا حتى موتها

ومثقلة كونها أنثى لا تدري حين ولادتها سيقبلها الأب ويقبّلها أم يزور بوجهه بعيدا عنها لأنها جاءت صبية ولم تأت غلاما كما تمنى وأراد!!

مثقلة في طفولتها حين ترى أبيها يؤثر الذكور عليها في الهدايا ، وحسن المعاملة

مثقلة أيضا لحظة دخولها مرحلة التكليف الشرعي لأن حجم المراقبة عليها سوف يشتد وحجم المتابعة سوف يتضاعف كما أن دائرة الشكوك سوف تبدأ في الإحكام حولها لأنها ببساطة أنثى مرشحة بطبيعتها للوقوع في الخطأ والاجتراء على الخطوط الحمراء

إن طلبت هاتفا جوالا وهي في الثانوية وقف شعر الأبوين خشية انزلاقها فيما لا تحمد عقباه فيكون الرفض هو القرار القاطع والحكم النهائي الذي لا اسئنات فيه ولا تغيير

قد تتجرأ وتهمس في أذن والدتها قائلة : لكن أخي يملك هاتفا نقالا وهو أصغر مني فلماذا لا تقنعين أبي بشرائه ولن أستعمله إلا في الأعياد والمناسبات لتبادل التهاني مع صديقاتي . قالت لها الأم : وهل تضعين رأسك برأس أخوك ، هو رجل يحق له فعل ما يشاء أم أنت فلا

فإذا ذكرتها أنها لا تملك أيضا حاسوبا مستقلا بينما يملك أخوها الأصغر وأخويها اللذين يكبرانها بأعوام قليلة قالت لها الأم من حق الشباب الاستقلال والاستفادة من منتجات العصر أما أنت فما يدرينا لعلنا لو سمحنا لك بحاسوب محمول أو حتى ثابت تقعين فيما لا يحمد عقباه وتزل أقدامك عند أول متطفل ومحتال

فإذا قالت : أيا ماه أنا أخشى الله وهذا عامي الأخير في المرحلة الثانوية ومن حقي ان أتدرب جيدا على التعامل مع الحاسوب أجابتها الأم ولم لا هذا أخوك الأصغر يتمتع بأخلاق حميدة فاطلبي منه أن يسمح لك ببعض الوقت لكي تجلسي على حاسوبه

فإذا أظهرت الفتاة غضبها من فعل شقيقها الأصغر الذي يجلس قربها متطفلا على طريقة بحثها ويكاد من غلظته وقسوته أن يمنعها من الدخول إلى أي موقع تريده خشية وجود صور مشينة قالت لها الأم من حقه ان يفعل ذلك أنت تعلمين بأن أخاك غيور ويخاف عليك من أي إزعاج أو سوء قد تتعرضين له أثناء تجولك في المواقع والمنتديات !!

فإذا أجابت الفتاة قائلة : يا أماه عليه أن يغار على نفسه أولا فأنت لا تعلمين أي مواقع مشينة يزورها أخي الأصغر أجابتها الأم : هو شاب ومن حقه أن يفعل ما يشاء

فإذا بدأت تنتحب وقالت لأمها : ترين انتهاكا صارخا للأخلاق منه

ولا تعاتبينه أو تحجري على حريته ، وأنا المتفوقة دراسيا الملتزمة بالحجاب والتي تحفظ عشرة أجزاء من القرآن تحجرين علي لمجرد الخوف والحذر ؟!!

أي عدالة هذه وأي تربية فاضلة هي التربية التي نتلقاها في هذا المنزل والتي تكيل الفضيلة بمكيالين وتزن الحياء بميزانين نهرتها الأم وقالت : والله عشنا وشفنا بنات آخر زمن يتجرأن على رفع الصوت أمام الأمهات

إن البنت كلها عورة ألا تعلمين أن الخوف عليها بل والمبالغة في الخوف واجب ديني ولا بد من أدائه على وجهه فاسم البنت وسمعتها فوق كل شيء وما عليك سوى السمع والطاعة وكفي عن التذمر لقد خلقت أنثى فكفي عن الصياح والندب .

عندها تجيبها الفتاة الحازمة لكني ومن قراءاتي الواسعة في أحكام الإسلام لم أجد نصا شرعيا واحدا يبيح للرجل الخوض في سفاسف الأعمال ويعيق الأنثى عن انطلاقتها في التعلم وبناء شخصيتها العلمية الواثقة ؟!!

ردت عليها هذا الذي جاءنا من الكتب الجدل والوقاحة وقلة التهذيب .

فإذا قالت الفتاة : ولكن يا أماه ….بادرتها الأم قائلة : ليس هناك لكن ألم تعرفي معنى سلطان العادات والتقاليد ، الم تسمعي عن الأعراف وعوائد القبائل الم نربك على الخوف من كلام الناس وتحاشي لغطهم وإشاعاتهم ما أمكن

عندها لا تستسلم الفتاة وترفع صوتها عاليا لأول مرة في حياتها : أنتم إذن أسرى العادات والتقاليد ولستم ملتزمون بالتعليم الديني فإذا كانت الأعراف والتقاليد تسمح للرجل بممارسة انواع الشغب اللاأخلاقي رضيتم بذلك دينا ودنيا وإذا كانت تحاسب الفتاة على أفكارها ومشاعرها وتحاكم نواياها التي تفترض بها السوء آمنتم وتابعتم بالله يا أماه متى تتخلصون من أسر التقاليد وتعودوا من جديد إلى رحاب الإسلام وعالمه المنير ، حيث فرح الرسول عليه الصلاة والسلام بفاطمة وسعادته بها وبأخواتها ووقوفه عليه الصلاة والسلام إلى جانب تلك البنات في العسر واليسر والرخاء والشدة.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبا سعيدا ببناته فلماذا تسعدون بالذكر أكثر من سعادتكم بالأنثى ؟!!

لماذا يا أماه تخافون الناس فتحجرون على بناتكم وقد ربيتموهم على الصلاة والقرآن ومحبة الله ؟!!

لماذا ترفعون سقف الحرية للرجل حتى يجاوز الحد وتخفضون هذا السقف للأنثى حتى تكاد تختنق من شدة الكبت ؟!!

عند هذه الجملة عادة ينتهي الحوار بإشارة توقف حازمة من يد تلك الأم التي حالت عواطفها المكبوتة تجاه ابنتها دون ضربها لكنها وبعين غاضبة وقلب مضطرم تشير للفتاة بالذهاب لغرفتها لأن الحوار قد انتهى والحديث قد بلغ نهايته .

ترجع الفتاة المغلوبة على أمرها إلى غرفتها وتعلن بينها وبين نفسها بأنها لن تستسلم عن مطالبها في المساواة والعدالة التربوية لأن الكيل بميزانين كالتطفيف في الميزان كلاهما يمقته الرحمن ويحذر من وقوعه .

حقيقة أمر اللاعدالة وغياب الحس المسؤول في التعامل مع الأنثى يتجاوز كثيرا مجريات الحياة اليومية في البيوت التي تطبق باحتراف مبادئ القبول بشغب الذكر وجنوحه الأخلاقي وكف يد الأنثى عن أنواع الحرية التكنولوجية منها والعامة حتى ولو كانت الفتاة على نصيب وافر من الالتزام الديني وكل ذلك تحت مظلة الأعراف والتقاليد التي تضاعف حجمها مع الأيام ومرور الزمن!!

تحت تلك المظلة التي يزاد في ارتفاعها وحجمها لتحجر طاقات ويضيق على فتيات بل وزوجات هن على مستوى رفيع من التدين والخوف من الله حدثت ارتباكات عاطفية وفكرية ، ووأدت مشاعر كان من الأولى والأجدر أن يتاح لها الظهور حتى ينعم الجميع بالصحة النفسية ويسعد الجميع بتوفر رصيد كبير من الاحترام والتقدير المتبادلين بين الجنسين

أوضح مثال لكبت المشاعر الطبيعية تجاه الأنثى قصة (فتاة الدوم) التي تناقلتها الصحف السعودية والتي تم انتشالها من بئر بعد مرور 12 يوما فشلت فيها محاولات إنقاذ حياتها التي ختمت بشكل مروع وبصورة تبعث على التعاطف الشديد حتى من الغرباء الذين لم يعرفوا تلك الزوجة يوما او يتواصلوا معها بأي شكل من الأشكال .

الحادثة مروعة وقصة وفاتها وختام حياتها يستنزف الدموع من المآقي وحتى المتحجرة منها إلا أننا نفاجأ في الصحف المحلية السعودية بتعليقات غريبة جدا لا تتناسب على الإطلاق وحرمة تلك الأنثى الفاضلة التي قضت نحبها بصورة مروعة .

وفقا لما ورد في الصحف السعودية ان أما شابة في منطقة أم الدوم كانت تتمشى قبل 12 يوما مع شقيقاتها وعدد من الصديقات في مكان فسيح وقد اعتدل الجو وطاب الهواء مما شجع الفتاة على التنزه مع صويحباتها وأخواتها في أنحاء المكان .

بعد برهة من الزمن تقدمت الفتاة بخطوات قليلة للأمام لتلاقي قدرها المحتوم فتغوص في داخل التراب إلى أعماق الأرض أمام أعين النساء الأخريات .

هكذا يقول الخبر غاضت الفتاة المتزوجة حديثا والأم لطفلة لا تتجاوز السنة وبضعة شهور أمام أعين عدد من النساء بعضهن شقيقاتها لتستقر في بئر عسر على المنقذين النزول فيه لانتشالها

تلك السيدة الشابة التي شاءت لها الأقدار أن تكون ضحية اللامبالاة والإهمال من قبل صاحب البئر الذي جاء الخبر أنه واحد من كثيرين حفروا آبارا تزيد على المائة والخمسين بئرا في تلك الأرض التي وارت بطلة قصتنا الحزينة .

ونتيجة لضعف الإمكانات المتوفرة لدى الدفاع المدني وضعف الوسائل المتاحة تأخرت عملية انتشال جثة الفتاة التي وجدت ميتة على هيئة الجلوس بكامل ثيابها ولم تتحلل رغم مرور تلك الأيام العديدة على رحيلها رحمها الله.

الى هنا وثمة ألم على النهاية المأساوية لتلك الفتاة تجتاح قلوب الأشخاص الطبيعيين مضافا إليه غضب شديد لضعف الإمكانات المتوفر لدى الدفاع المدني والتي أخرت الوصول للفتاة طيلة الأيام الطويلة التي سبقت انتشال جثتها.

لكن الصحف السعودية لم تكتف بذكر الخبر بل الغريب في الأمر والمؤلم غاية الألم ذلك التعليق المشين والمثير للسخط الذي أوردته أكثر من صحيفة سعودية في نهاية الخبر عن تلك الواقعة فقد ذكرت تلك الصحف أن والد الفتاة يحمد الله على العثور على جثة الفتاة قبل أن تتحلل لكي تنقطع الأقاويل وتخرس ألسنة الناس!!

سبحان الله هل هذا هو ما كنت تنتظره أيها الوالد المكلوم في ابنتك التي انتهت حياتها بهذه الطريقة الحزينة

هل الأمر الذي هز أوصالك وحرك شجونك وأقلقك نهاية القلق هو أن تبقى ألسنة الناس مسلطة على ابنتك فيما لو تحللت الجثة أو عجز رجال الدفاع المدني عن انتشال أوصالها كاملة ؟!!

يا سبحان الله .. غيابها عن الحياة وفقدان ذويها ويتم طفلتها وفقد الزوج لها وكل تلك الحبائل والأوصال والأوشاج الانسانية العميقة تضعف قيمتها أمام الخوف من ألسنة الناس الذين قد يشمتوا وينكروا القصة من أصلها ويبدؤوا في نسج الأحابيل الكاذبة والقصص المفتراة عنها فيما لو غابت ولم يعثر على الجثة ؟!!

يا الله ارحمنا من ظلم بعضنا البعض وتسلط الغفلة والجهل على حياتنا .

أو قمة الإزعاج في هذه المأساة كلام الناس ؟ وماذا عن شهادة الشقيقتين وعدد من الصديقات في ابتلاع الأرض لتلك الفتاة التي سبقت من معها بخطوات قليلة فداست على سطح البئر المغطى بالتراب أو الحشيش او أي شيء خدع بصرها وأودى بحياتها على هذا النحو المؤسف؟!!

ماذا عن ألمكم الدفين أيها الأب الطيب ، ماذا عن الطفلة اليتيمة التي ستتصفح الوجوه كل حين تبحث عن وجه أمها فلا تجده ولن تجده أبدا في حياتها الدنيا ؟!!

من سيربي الطفلة اليتيمة ومن يعيد لها حضن أمها ومن سيروي لها قصص المساء ومن سيقبلها في ذهابها وإيابها من وإلى المدرسة ؟!!

أو لم يهز أعماقك أيها الجد المغلوب على أمره احتمال قلب الطفلة البريئة من كونها ستنشئ دون أشقاء لأن أبيها حتى لو تزوج لاحقا سيأتي لها إذا أراد الله بإخوة وأخوات من غير أمها لأنها بكل وضوح لم يعد لها أم تأوي إليها وتسر للقياها في كل وقت وحين؟!!

رفقا بنا يا رب إلى أي وضع مأساوي نصل بأنفسنا ، والى أي هوة من الظلم سحيقة نهوي بأفكارنا حينما نجعل من ألسنة الناس الجائرة حائلا يحول دون أن نسمح لمشاعرنا الحقيقية بالتعبير عنا والإفصاح عن آلامنا الحقيقية لا آلامنا المتوهمة !!

ثم أين كان الناس الذين تريد قطع ألسنتهم وكف سياطهم عن ابنتك الفقيدة يوم وقعت في البئر ، وأين هي تلك الألسنة الجائرة يوم أن فشل الدفاع المدني عن إنقاذ حياتها والإسراع في الوصول إليها وانتشالها من تحت الأرض؟!!

أين كانت تلك الألسنة التي تقيم لها وزنا وقيمة من تفقد حال آبار تنذر بالموت وتشير إليه وتدل عليه بل وتوصل إليه بلغ عددها أكثر من 150 بئرا فأين هي الألسنة المشرعة لتنتقد أولئك المهملين الذين وزعوا الموت على طول ذلك الطريق الحزين؟!!

أين تلك الألسنة التي تحسب لها ألف حساب من آلام حفيدتك وآلامك الخاصة وآلام أمها وأخواتها وزوجها وكل من عرفها وأحبها؟!!

أين تلك الألسنة التي تعمل لها ألف حساب من مواساتك أيها الأب المكلوم ومن مواساة الأم والزوج وأفراد عائلتكم ألا تستحقون عظيم المواساة وصادق التعاطف لما أصابكم من كرب وبلاء ؟!!

سبحان الله أو في موضع الموت شماتة ، وفي حادث الرحيل المؤلم استهزاء وسخرية وشكوك وأقاويل؟!!

ألم تكن تلك المرأة التي نحتسبها عند الله وندعو لها بمضاعفة الأجر في رحيلها جديرة بالمطالبة بفتح تحقيق ومحاسبة المهملين من أصحاب الآبار الذين تسبب أحدها في قتل تلك المرأة الآمنة؟!!

بالله من الأولى بالنقد والتجريح ، أو من ماتت في غفلة وذهول عن المصير المؤلم الذي آلت إليه، أم من ترك تلك الأرض وذلك المكان نهبا للكسل واللامبالاة وقلة الاكتراث بمصائر الناس ؟

بالله عليك أيها الأب الجريح إن جراحك الحقيقية والتي تعلمها جيدا هي جراح الفقد لتلك الابنة الأم أما جراح الخوف من سياط الناس فاعلم أن معاقبة تلك الألسنة نص ثابت في شرع الله، وعلى القاذف الماضغ المردد للأقاويل في أعراض الناس ثمانون جلدة تلسع ظهره الغافل وتذيقه من الكأس المرة التي أراد أن يسقيها الغافلين من المؤمنين والمؤمنات !!

إن حد الجلد على القاذف واضح في الشرع لا يحتاج لتأويل أو مداراة أو تحايل ، ومن يفتح فمه في مضغ عرض مسلم أو مسلمة فمصيره جلد مهين ينتزع وساوس الشياطين من رأسه ، ويعيد تربيته من جديد ويعلمه قدر المسلمين والمسلمات ومكانتهم في الإسلام

يا أبا الأم القتيلة اطلب ثأرك من كل من شمت بك وغفل عن أداء الواجب في حقك وحق ابنتك القتيلة واسمح لمشاعرك الطبيعية في الحزن والتوجع على الأم الراحلة أن تظهر ، وتأكد انك لم تكن محتاجا لجثة ابنتك لتثبت براءتها فبراءتها وطهرها مكفولان ككفالة دمها لا يحق لمسلم ولا مسلمة أن يجترآ عليهما بأي حال من الأحوال

أحسن الله عزاءك في ابنتك وبارك لك فيمن بقي من أفراد عائلتك وأبدل خوفكم أمنا وحزنكم سرورا وراحة بال ، وعوضكم بفقدها خيرها، وأسكنها فسيح جناته . إنا الله وإنا إليه راجعون

Read Full Post »

من تايلاند: دعوة لجودة الحياة

بقلم : مريم عبدالله النعيمي

لا تستغرب أيها القارئ الكريم العنوان فالمعنى الأول الذي تبادر إليك هو الصحيح إنها دعوة لجودة الحياة تأتينا من تايلاند ذلك البلد الآسيوي الذي عدت قبل أيام قليلة من زيارته للمرة الأولى لدولة في جنوب شرق آسيا .

كان ما وقفت عليه من صور ومواقف وسلوكيات يومية مكثفة كشفا جديدا بالنسبة لي ما كنت لأتعرف عليه لولا أنني اختبرته عن قرب .

إنها دعوة لجودة الحياة يقدمها أهل تايلاند لبعضهم البعض ولضيوفهم من مختلف دول العالم عبر حزمة متوالية من السلوكيات الراقية والذوقيات الاجتماعية التي بذلت زمنا طويلا من عمري في القراءة والبحث عنها عبر الجديد من كتب الإدارة والنجاح القادمة إلينا من الغرب .

ما كان مكتوبا في كتب الغرب حول أفضل أساليب العيش للوصول لجودة الحياة وجدته خيارا قائما وقرارا شمل الأفراد والجماعات بطريقة رائعة وجديرة بالاحترام.

من أول لحظة ينزل فيها السائح إلى مطار بانكوك يقف على سلوكيات رفيعة المستوى وأخلاقيات تعكس المستوى المتقدم في التواصل الإنساني الذي بلغه التايلانديون .

يأتيك الجواب قبل أن تسأل وتأتيك المعلومات حول أفضل طريقة للنجاح في تخليص إجراءات القدوم من موظفات وموظفين تدور أعينهم في قاعة المطار لتلتقط صور الجنسيات الوافدة فتبادر مسرعة بالاهتمام بها ، ورعايتها لبلوغ مقصدها في أسرع وقت ممكن .

بعد أن أنهيت إجراءات المطار كانت هناك حافلات أجرة تقف بنظام في انتظار القادمين من المطار ، وما بين الانتظار وركوب الحافلة بذلنا دقيقة واحدة فقط.

كنا قد اخترنا سلفا وعبر الانترنت الفندق الذي نود المكوث فيه طيلة أيام السفر وما هي إلا أربعين دقيقة أو أكثر حتى دخلنا بهو الفندق الرائع الذي تنساب منه المياه عبر نوافير صغيرة تتساقط بانتظام لتعطي الزائر معنى الاسترخاء وتشعره بأنه موضع ترحيب واهتمام.

اصطحبتنا موظفة الاستقبال لترينا إحدى الشقق الفندقية المتوفرة لديهم وللمرة الأولى وجدت نفسي أوافق على أول فندق أصل إليه في أي بلد وبدون أدني تحفظ.

إنه الشعور بالراحة والاطمئنان الذي يتسرب للسائح الباحث عن أماكن ترتقي معاييرها لمستوى الملاءمة والجودة في الخدمة المقدمة .

لقد كانت الساعة الأولى من الوصول لتايلاند ساعة ناجحة بامتياز وما كنت أقطعه في دول أخرى من زمن للبحث عن مكان مريح وملائم قطعت أقل من ربعه وأنا في تايلاند . ولأن التفاؤل من ديننا فقد تسرب إلى نفسي بأن هذا البلد يحترم الإنسان

لم يخب ظني على الإطلاق وصدقت توقعاتي بل وفاق الواقع أحسن التوقعات ووجدت نفسي قرابة عشرة أيام أعيش في بيئة متناغمة ومنسجمة ومترابطة وكل ما فيها يعكس جوهر روح هذا المجتمع المحب والمتعاون والمتحلي بأخلاق رفيعة نتمنى فعلا أن أجد مثلها بين أفراد مجتمعاتنا.

التحية والسلام ، الانحناء والابتسامة الصادقة ،  المبادرة في تقديم الخدمة، الهرولة لتلبية حاجة السائح أمور يتقنها من في الفندق ، ومن في الشارع وحتى سائقي التاكسي . الجميع في خدمتك والابتسامة العفوية والصادقة تظل رفيقتك مهما مكثت في بانكوك.

أي نوع من البشر هؤلاء إنهم لا يتجهمون ، ولا يرفعون أصواتهم عاليا ، يمشون في الطرقات وانحناءة التواضع تلازمهم كأن الأرض كل الأرض عشبا أخضر تحت أقدامهم ، يخشون عليه من التلف والإضرار فلا يكاد أحدهم يمشي إلا وهو منحني الرأس ، رفيق الخطو ، لا عجرفة ولا غرور أو اعتداد متطرف بالنفس .

بدأت أعتقد من شدة تركيزي على سلوكهم أنهم قد قرؤوا قول الله عز وجل : “والذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما “

إنهم هينون لينون طيبوا المعشر لدرجة لافتة ، وكان السؤال الذي يدور ببالي أي نوع من التربية تلقاها هذا الشعب ليسمو بسلوكه وبمستوى تواصله مع الناس إلى هذه الدرجة الرفيعة ؟!!

إن الشعب التايلاندي بوذي في مجمله فهل هي رسالة بوذا التي بها يؤمنون والتي تدعوهم إلى التصالح مع النفس والرضا عن الحال وخدمة الآخرين؟

أم هي طبيعة هذه الشعوب التي يغلب عليها الفقر وتتمتع في الوقت نفسه بطبيعة خلابة وأجواء صحوة تشجعها على الشعور بجمال الحياة، وروعة نعمة البيئة التي تعيش بها ؟!

كان أفراد عائلتي يشاطرونني الرأي نفسه، ويرون أن هذه الأخلاق لا تتواجد في مكان واحد وزمان واحد وبنفس الكثافة لدى مجتمعاتنا العربية مع الأسف .

ما الذي حل بنا وجعلنا نفتقد لتلك الروح الخدومة المعطاء المتوائمة والمنسجمة مع الحياة كما يفعل التايلنديون بمهارة وإتقان ؟!!

ما الذي حل بالعرب وجعلهم خشنو الطباع مشدودون للمال ومشغولون بالجمع على حساب استمتاعهم بما لديهم من نعم ؟!!

إن الشعب التايلندي أو على الأقل سكان بانكوك سعداء بما هم فيه ولذلك لا تستعصي عليهم الابتسامة ، ولا يسأمون من خدمة بعضهم البعض أو خدمة الغرباء عن طيب نفس وخاطر .

في الخدمة هم دائما وسواء في أماكن الإقامة أم في الأسواق التجارية أم في المستشفيات فالجودة في التعامل تأتي كخيار أولي لا يتنازلون عنه على الإطلاق .

في مستشفياتهم تكتشف معنى الطب الحقيقي لا الطب الزائف.

قاتل الله الطمع والطماعين، المتاجرين بصحة الناس، العابثين بمصائرهم الراقصين على جراحهم السارقين لجيوبهم والساخرين من آلامهم.

قاتل الله عددا من أصحاب مستشفياتنا الخاصة الذين شوهوا مهنة الطب وأفرغوها من معانيها الكبرى ، وحولوا الأطباء لجباة للمال الذي لا يكادون يشبعون منه في ليل أو نهار !!

أي فرق شاسع وكبير يفصل ما بين ما اختبرته في بانكوك وبين مستشفياتنا الحكومية منها والخاصة ؟!!

إنه فرق لا يحتسب بالساعات أو الأيام أو الشهور بل يحتسب بالسنوات الضوئية وقد كنت أكره الكثير من ممارسات الأطباء وطغيانهم غير المبالي بصحة الناس أما وقد وجدت النقيض الكامل في سلوك أطباء تايلاند فقد ازددت كرها وامتعاضا من سلوك عدد من أطبائنا ومستشفياتنا الخاصة المتاجرة بحياة الناس كما يتاجر أصحاب التأشيرات في بعض دول الخليج بأمن وسلامة أوطانهم!!

إنها لعبة قدزة ، ومعادلة مائلة ، وبخس في الميزان ، وإساءة للإنسان يوم أن يتحول الطبيب إلى شخص ماكر مهمته شفط جيوب المرضى والعبث بأوقاتهم ومشاعرهم وأمنهم النفسي والمادي ناهيك عن عافيتهم وسلامتهم.

في بانكوك تأتيك الصورة خضراء مشبعة بالكلوروفيل لا من النوع الذي يحتاجه النبات القريب المنتشر في مستشفياتهم وإنما الكلوروفيل الذي به يتوفر مستوى رفيعا من الاكتفاء برصيد الطبيب والممرضة من الأخلاق الإنسانية والمهنية على حد سواء .

وكأن الطب مات لدينا على أعتاب طبيب عربي نهم للمال لا يكاد يشبع منه . وكأن حبر العلماء جف على أثواب تأتيك بيضاء لوهلتها الأولى لكنها تلوثت من تلوث روح لابسها غير المبالي بصحة الناس وسلامتهم .

كانت وما تزال ذاكرتي مثقلة بالعشرات من الصور الكريهة لأطبائنا العرب المدججين بالألقاب والمسميات والأوصاف وكنت بحاجة بعد سنوات من إثقال هذه الذاكرة إلى مصحح بشري يحمل شهادة طب لمعالجة الناس فكان لي ما أردت إذ أتيح لهذه الذاكرة أن تدون سطورا نظيفة وتطبع بها لقطات راقية لأطباء يلبسون رداء الطبيب لكن الرداء يشرف بهم ويسعد لأنهم هم لا بسوه .

لم يكن لي من هم وأنا أثقل ذاكرتي بسلوك أطبائنا المتعجرف إلا أن أقف على سلوكيات أفضل تنتصر لمهنة الطب وتفخر بالأطباء ولدى أطباء بانكوك وجدت هذا المطلب سهلا إلى درجة لا تكاد تصدق .

الجميع يبتسم لك يرحب بك ، يعطيك من وقته ما شئت ويعتذر لك حتى لو لم يخطئ لو خاب ظنك به ، ولم يستطع الإجابة  على جميع أسئلتك .

الممرضات حالة استثنائية وشريحة هامة هي شريان العمل في ذلك المستشفى الذي ذكرني بما قرأت عن سلوك الشغالات في خلايا النحل وعن نشاطهن الدؤوب وعملهن المستمر .

كأن الذوق هنا يبتسم ، بل قد ابتسم واستراح واطمأن واستقر به المقام ولا أدري وقد أنعم الله علي بأجواء حسنت من ذاكرتي ، وجددت بها خلايا الثقة في الطب والأطباء هل كنت سأثق يوما بأن ثمة مستقبل مشرق للطب خارج عتبات الجامعة ومؤسسات البحث العلمي ؟!!

إن هذه المهنة الشريفة قد عبث بها لدينا وأسيئ إليها مرات ومرات ومرات ولكن بالرغم من كل ذلك ثمة شعوب ما زالت تحترم نفسها ، وتثق بذاتها تصالحت مع الحياة فصالحت الأحياء ، ورضيت بعيشها فأشرقت معاني العطاء في جنبات نفوسها .

لله كم أعطتني  هذه التجربة من ثقة كبيرة بمستقبل الإنسان على هذه الأرض وكم ازددت قناعة بأن  من يصنع اسم أمته  هو قرار جماعي باختيار السلوك الأفضل والأجدر بالإنسان.  

لقد اختار أهل بانكوك أن يعيشوا بسلام وأن ينشروا السلام فيما حولهم وآثروا أن لا يربطوا سلوكهم الرصين بمقدار الدولارات التي تأتيهم في آخر الشهر لأنهم ببساطة عرفوا أن الإنسان هو الذي يعطي القيمة للأشياء وليس العكس.

الإنسان وحده هو صاحب القرار في جعل من حوله يفرحون بقربه أو يشمئزون منه ويفرون عنه !!

الإنسان الذي أودعه الله عز وجل قدرات ومهارات مختلفة هو صاحب القرار في الطريقة التي يريد أن ينظر بها للناس من حوله .

وقد اختار أهل بانكوك أن يحترموا بعضهم البعض ويبادروا لتقديم الخدمة والمساعدة فكان لهم ما أرادوا وكان أن جعل الله لهم من أرزاق أهل الخليج نصيبا ، فالابتسامة التايلاندية النابعة من القلب كما قالت لي إحدى الصديقات تستحق أن تحلق لأجلها الطائرات .

تكمل تلك الصديقة قائلة : في كل عام ومهما اخترت من بلد للاصطياف فإن أصدق ابتسامة أراها في الوجوه هي ابتسامة أهل تايلاند ولذلك لا أتردد أن أقتطع جزءا من أيام السفر في التوجه نحو تايلاند.

ولأني اختبرت هذه التجربة فأنا أفهم تماما صدق ما تقول .

في الختام دعوة لأهلنا العرب أن يتصالحوا مع ذواتهم وأن يتساموا في نظرتهم للحياة والأحياء ولأدوارهم في الخدمة والبناء فلن ترقى أمة دون أخلاق راسخة وشعور صادق بقيمة التعاون والمبادرة والسلوك القويم في صناعة النهضة وبناء الحضارات.

 

Read Full Post »

جدتي ودور لا أنساه

أبدأ بنفسي وإضافة لدور أمي الكبير في حياتي كان لجدتي والدة أمي الدور الأهم في ربطي بقيم الإسلام وتقريب صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلى حد كبير حتى جعلته ومنذ كنت صغيرة النموذج الأكبر الذي يستحق محبتي وتقديري .

كانت جدتي رحمها الله امرأة كثيرة العبادة تطيل قيام الليل ، وتصوم من العام أكثر مما تفطر ورغم أنها كانت فاقدة للبصر فقد قذف الله في قلبها نورا جعلها كالمبصرين في قدرتها على التواصل مع الحياة والتأثير بهم

وفي حين كانت أمي  مشغولة بواجبات البيت ومسؤوليات تربية إخوتي كانت هي قد آثرتني بحبها ، واختارتني لتعلمني أشعارا عن رسول الله وتتلو علي من آيات القرآن بصوت عذب لم أسمع في حياتي مثله لامرأة لا قبل ولا بعد.

كانت جدتي رحمها الله في نظري إنسانة مختلفة وكل ما كانت تقوله كان بنظري كلاما يستحق الاهتمام

وبقدر ما تعلّقت بي تعلّقت بها ، ويوم أن قررت أن تسافر إلى قطر للحاق بخالتي أذكر أنني كدت أن أموت هما وغما وكمدا .

ومع ذلك ظل تأثيرها الكبير في نفسي إلى هذا اليوم

وما غرسته فّي من صفات، وما علمتني من كلمات،  وما روتني من أشعار ما زالت كلماته تتردد في نفسي حتى هذه اللحظة.

وذا ما قست الحياة وأصبحت المشاعر من حولي باردة تذكرت دفئ مشاعر جدتي ، وروعة صفاتها فعادت ثقتي بالخير الذي في النفوس وأشرقت الحياة في نظري من جديد وكيف لا وقد تعلمت من امرأة عمياء أن الارتباط بالسماء يحلق بالنفس إلى آفاق بعيدة ويكسبها التوازن والصحة النفسية رغم كل ظرف ومحنة

 هذه هي المرأة الأولى في حياتي التي استطاعت أن تحفر في داخلي وتكتب سطورا لم تزدها الأيام إلا إشراقا وقوة وأصالة .

رحمها الله فقد أعطتني في زمن وجيز ما لم يعطني غيرها في سنين طويلة.  

 

Read Full Post »

Read Full Post »

Older Posts »