Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘عن التعليم في بلادنا’ Category

المعلمة رزان تحت الطلب
بقلم :مريم عبدالله النعيمي
كانت حلقة تلفازيه ثم قدمت كدورة تدريبية والآن أكتبها كمقالة مدونة جملة من الملاحظات والتعليقات التي وردتني من جمهور متنوع بعد متابعته لأحوال المعلمة رزان .
المعلمة رزان قد تكون مدرِّسة في مدرسة ، أو أمًّا ، أو صديقة . كذلك قد يشاركها الحال المعلم عمر ، أو الأب زيد ، أو الموظف سعيد .
خطوط ودوائر متشابهة تجمع كثيرين بالمعلمة رزان التي غدت أنموذجا تكثر من حوله الملاحظات والتعليقات ممن شاركن معي في حلقات نقاشية ودورات تربوية بدا لهن أنهن كلهن رزان وكلهن بحاجة لجلسة طويلة وصريحة مع الذات.
من صفات هذه المعلمة أنها طيبة القلب لحد كبير ، صبورة صبر الجبال في ثباتها أمام الريح ،كما أنها مثابرة ، وتتمتع بالنشاط والانضباط المهني.
هي شيء لافت للنظر من حيث الانضباط .. الطاعة لعمياء..السكينة . وإيثار السلامة في كل شيء !!
وحتى تكتمل صورة الموظفة المطيعة كان وجود مديرة مدرسة تقليدية تستثمر شخصيتها المسالمة لصالح تحقيق أغراضها الشخصية وإرضاء رغبتها في وجود موظفة لا تناقشها في رأي ، ولا تعارضها في مطلب أمر مفروغ منه.
المعلمة رزان الشخصية المتعاونة صارت هي الصيد الثمين والذي أتى مغنما باردا لم يكلف كثير عناء لنيله، والظفر به .
ولأن المديرة العتيدة ليس لديها وقت لتضيعه في عرض أفكارها على المعلمات وتوزيع المسؤوليات بالطريقة الطبيعية والمناسبة فقد وجدت في رزان الشخصية النموذجية التي تشبع لديها هذه الحاجة .
فرزان على سبيل المثال صارت مكلفة بمتابعة نشاط المقصف المدرسي كما أنها المسؤولة عن متابعة أعمال الإذاعة المدرسية.
ولأنها شخصية متعاونة فقد أسندت إليها المديرة الماهرة في اقتناص الفرص مسؤولية تنظيم حفلة المتفوقات ، كما كلفتها بشراء هدايا الحفلة وأسندت إليها أيضا تحضير المادة المقدمة في الحفل المذكور .
رزان المدرسة المتعاونة التي لم تتدرب يوما على الأخذ والرد والتي كانت تظن أن أفضل طريقة لتجنب الصدمات هو الرضوخ للأمر الواقع صارت مع الأيام مثقلة بأعباء أكبر بكثير مما كانت تظن وتعتقد .
تعود رزان إلى بيتها وهناك غصة وشعور بحرقة في المعدة من كثرة الضغوط والمطالب المستمرة التي ألقى على كاهلها تباعا من قبل مديرتها الشامخة .
ولأنها لم تجر حوارا بينها وبين نفسها يوما لتعرف طبيعة الدور الذي خلقت لأجله ، وطبيعة الأهداف الحقيقية التي كانت قد حددتها لنفسها قبل وصولها لأعتاب المرحلة الجامعية فقد تبددت نفسها شعاعا ، وضاقت عليها الأرض بما رحبت ومع ذلك لم يخطر ببالها أن تقول لمديرتها الخرقاء ما هكذا تكون القيادة ولا هكذا يكون تربية الصفوف التربوية القيادية والشخصيات التي تنتج قمما طلابية ناضجة !!
لم يدر ببال رزان يوما أن تسأل نفسها أهم سؤال : وهو ماذا أريد من مهنة التعليم وكيف أصل إلى ما أريد؟!!
لم يخطر لها مجرد الوقوف والتروي في قراءة سلوكها المهادن الراضخ لمشيئة تلك المديرة التي تطلب الراحة لنفسها ولو على حساب معلمة كان يمكن أن تقدم شيئا أفضل لمجتمعها الطلابي ولنفسها قبل ذلك !!
المديرة التقليدية التي تتكرر صورتها عشرات المرات في مدارسنا ومؤسساتنا ودوائرنا الحكومية وجدت في رضوخ رزان فرصة لا تقدر بثمن ، وقد لا تتكرر كثيرا .
ولأن المديرة عرفت أن كل ما تريده هذه المعلمة ابتسامة تشجيعية، وتقديم الشكر العلني لها أثناء الاجتماع العام للمدرسات فقد أغرقتها بالمديح ، وأمطرتها بوابل من كلمات الشكر وكان ذلك كافيا لتستمر الدائرة المفزعة في مضاعفة الطلبات وتواصل إيماءات الموافقة من تلك الشخصية المهادنة والموافقة .
مرت عشر سنوات كاملة ورزان تؤمر فتطيع ، ويطلب منها فتستجيب ، ثم لا شيء جديد يلوح في الأفق بإحداث تطور حقيقي في فكر وإنجاز رزان الشخصية المهادنة للواقع المتصالحة معه على أي حال وهيئة!!
بعد تلك السنوات العشر نظرت رزان لمن كان حولها يوما من المعلمات فوجدت إحدى الزميلات قد صارت مديرة لمدرسة نموذجية ، ومعلمة ثانية كانت تحب الأدب بات لها أعمدة أدبية في أكثر من صحيفة مرموقة.
معلمة ثالثة استقالت من التعليم وانضمت لمؤسسة أخرى تتوفر بها شروط تحفيز الموظفين ، وتطوير مهاراتهم المهنية
ومعلمة رابعة كانت تستعد للمقابلة للحصول على درجة موجهة مادة .
أما رزان فقد ظلت كما هي تنظر تحت قدميها دائما ولا تكاد تتطلع لشيء أكبر من ذلك !!
لكنها وبعد دورة كاملة في تفقد حال زميلاتها شعرت لأول مرة بحقيقة الوضع الذي هي فيه على صورته الطبيعية وبألوانه الأصلية .
عرفت رزان أن الخطأ لم يكن يوما خطأ المديرة الفاشلة في استثمار المواهب والطاقات لكنه خطأها هي التي رضيت بشخصية ضعيفة مسالمة مستكينة تقبل بمرور أيام عمرها و، هي تحمل فوق كاهلها ما كان أولى بأن يوزع ويقسم لينفذ بطريقة أفضل وأحكم !!
عرفت رزان أنها هي المخطئة بحق نفسها لأنه لم يكن لها ببساطة أجندة عمل أو وصفة كاملة لما تريد أن تنفذه في صفها ومع طالباتها .
أخطأت رزان لأنها لم تكن تنتمي لهدف حقيقي تعتنقه اعتناقا كاملا وترى أن من واجبها أن تدافع عنه وأن تشجع الآخرين على معرفته بل والتعاون معها في تحقيقه.
أخطأت لأنها أهدرت وقتها في شراء وتغليف هدايا الطالبات وقد كان هذا عملا روتينيا يمكن أن يقوم به أي شخص بدلا عنها.
أخطأت في القبول بأعمال متفرّقة متنافرة لا تتسق ضمن منظومة تتناسب وتحقيق إنجاز في عملها المهني ورسالتها العلمية والأخلاقية للطالبات !!
أخطأت لأنها جعلت رضى المديرة فوق كل مطالبها، ولأن طالباتها قد تراجعن للرتبة الثانية فغاب التطوير وتضاءل الإعداد وتناقص المنجز وتراكمت الدروس التقليدية لأنها لم يعد لديها وقت للإبداع مع الطالبات !!
أخطأت لأنها ظنت أن مهمة التعليم تقف عند حد تلقين الطالب والطالبة ما في المنهاج ثم الانصراف عنه لأعمال روتينية باردة لا يعود أثرها المباشر على تجويد عقول الطلبة والطالبات والارتقاء بأدواتهن المعرفية!!
أخطأت لأنها لم تفتش عن صوتها الداخلي ولم تنظر لمرآتها وصورتها المثالية التي رسمتها لنفسها يوم أن دخلت كلية التربية ولسان حالها يقول سأنشئ أمة وأقيم دولة العلم في كل القلوب التي أدرسها .
أخطأت لأنها رضيت بكلمات تشجيعية عابرة تلفظت بها مديرة ساذجة بين حين وآخر أثناء انهماكها في خدمة أنشطة عادية ومكررة بدل أن تواجه تلك المديرة بالحكمة ، وبما يتطلبه موقف المعلم الغيور على وقته ، وعلى تطلعاته العليا في الحياة.
أخطأت لأنها ظنت أن طريق السلامة في المهادنة والمصانعة والقبول برأي المدير والمسؤول حتى ولو كان رأيه باردا ، وفكره جامدا ، وعقله متحجرا ، وإرادته مشلولة .
أخطأت لأنها غفلت عن كون النجاح التربوي يغذى بفكر مقوم ، وشخصية ناضجة لا تعرف الانكفاء والانبطاح أمام الإدارة والمدراء .
باختصار شديد إذا لم تكن للمعلم أو لأي فرد آخر شخصية مستقلة طموحة تتطلع لتحقيق فرق في الحياة فمن الطبيعي أن يتحوّل هذا الفرد رجلا كان أم امرأة لصورة أخرى من صور المعلمة رزان
والحكمة في هذا معروفة ( إذا لم يكن لديك هدف أصبحت هدفا للآخرين)!!

Advertisements

Read Full Post »