Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘صحافتنا إلى أين؟’ Category

Picture1صناعة الكاتب أم صناعة الصحافي؟!!

بقلم : مريم عبدالله النعيمي

كاتبة وباحثة إماراتية

alnaymiarticle@hotmail.com

لعل التدوين اليوم قد فرض نفسه على جمعية الصحافيين في هذا البلد العربي أو ذاك من زاوية أن الجمعية يقع ضمن اختصاصها الاهتمام -بحكم الصورة التقليدية الشائعة – بالأقلام التي تكتب والتي كانت في السابق تعرف عن طريق الصحافة

لكن الصورة اليوم قد اختلفت بشكل غير ملامحها السابقة وبدلها بالمجمل فلم تعد جمعية الصحافيين والأمر ينطبق على كل الدول العربية على دراية واطلاع بالأقلام التي تصدر من بلدها رغم قيامها في السابق بدور رب البيت المسؤول عن أبنائه وبناته !!

الآن كبر الأبناء ووجدوا لهم مرافئ أخرى ومحطات وزايا جديدة لم يكن للأب بها صلة ولم يكن له بها دراية في السابق .

وبينما كان نفوذ الأب وصوته يصل مدويا لكافة أبنائه إذا به اليوم يسمع قصصا عن ولادة أبناء جدد دون أن يسبق له أن تعرف على أولئك الذي ولدوا كبارا راشدين !!

إن جمعية الصحافيين في أي بلد إذا ما أرادت أن تنشر ظلها على عالم الانترنت كما نشرت ظلها في السابق على الصحافيين بحكم الصورة التقليدية السابقة فبرأيي أن الأمر اليوم مختلف والصورة قد قلبت رأسا على عقب

فكثير من أصحاب المدونات الذين يتواجدون بشكل أو بآخر على شبكة الانترنت هم ليسوا بصحافيين وهذه هي النقطة الفاصلة في الموضوع .

هناك فرق بين صناعة الصحافي وصناعة الكاتب ولا بد من التعريف بهما وبطبيعة الدور الذي يقومان به .

فالصحافي الذي يعمل في جريدة رسمية يمارس عملا مهنيا يدر عليه راتبا شهريا ، وإيقاع كتاباته إنما يدور في الغالب في فلك المؤسسة الصحافية التي يعمل بها .

ناهيك وهذا الأهم أن الصحافي مشدود إلى قلمه الرسمي والى زاويته المخصصة التي تحكمها ضوابط دقيقة وتخضع في الغالب لاحتياجات الوقت ولغته ورتمه وما يستجد فيه

فكاتب العمود الصحافي على سبيل المثال يكتب ليعالج اللحظة القائمة أكثر من أن يدخل في دور التنظير أو التعرض للمشاكل التي يتطلب علاجها زمنا ووقتا وفعلا قد يظهر أثره بعد سنوات وسنوات.

إن دور الصحافي كاتب الزاوية بالتحديد يشبه عندي إلى حد كبير دور طبيب الطوارئ الذي عليه أن يستقبل  مختلف الحالات وأن يقوم بأقصى وأسرع محاولات إنقاذ المريض الذي بين يديه.

إن طبيب الطوارئ هنا  لا يملك الوقت الكافي ليحاسب مريضه على شراهته في التدخين مثلا إن إن جاءه بذبحة صدرية نتيجة ادمانه لتلك العادة.

إن دور هنا يتمثل في التوجيه لعمل التحاليل بأسرع وقت كما يأمر له بعمليات إنعاش للقلب و بالإسراع في ضخ الأوكسجين حتى ينقذ حياة المريض فإذا ما تم له ذلك أمر بتخصيص غرفة له بالمستشفى ليزوره لاحقا أو في اليوم الذي يليه طبيب باطني يقوم بوصف دائه وصفا دقيقا ثم يتولى القيام بعمليات تحليل دم قد ترسل عيناتها إلى الخارج وقد يتطلب بقاؤها أياما عدة ولربما أسابيع . والطبيب الباطني يتروى في تقديم أنواع الدواء فهو يجرب نوعا ويصبر عليه إلى زيارة تالية يخصصها لمريضه بعد شهر أو أكثر ،  فإذا أتى المريض في اليوم المحدد سأله الطبيب عن مدى مناسبة الدواء له وأصغى إلى جوابه ثم يطلب منه القيام ببعض التحاليل وقد يأمره بمتابعة نفس الدواء أو يقوم بتغييره تبعا لتطور الحالة ونوعية استجابتها للعلاج .

هذا العمل الذي يقوم به الطبيب الباطني يماثل إلى حد كبير عمل الكاتب المحترف الذي لا مكان له في المؤسسة الصحافية فلا هو بكاتب عمود لان إيقاع كتاب الأعمدة في الغالب والأعم يجب أن يتناسب مع دور طبيب الطوارئ ، ولا هو بمن يكتب في صفحات الرأي لأن صفحات الرأي في غالبها صارت تجيّر هي الأخرى لمناقشة طوارئ السياسة وتقلباتها التي تطهى على نار لا هبة !!

وعليه فقد آثر كثير من الكتاب الانحياز لرسالة القلم ولدورها في إحداث التغيير المطلوب وتقبلوا فكرة استبعادهم عن المشاركة في المؤسسة الصحافية لأنهم يعلمون أن رسالتهم في حجمها وقدرها تتجاوز أي مؤسسة وأي هيئة قد يكون لها حساباتها وميزانها الخاص !!

هذا التنوع في أدوار من يمارس الكتابة بين دور الصحافي الذي شرحته آنفا ودور الكاتب المنحاز لرسالة القلم والفكرة الحية بغض النظر عن أي عائد مادي أو مكسب سريع يعود على صاحبه بالنفع العاجل  هو الذي يجعل من محاولة أي مؤسسة صحافية لبسط ظلها على عامة الكتاب عملا برأيي لا يتناسب ورسالة أي جمعية صحافية .

هناك اتحاد للكتاب ويجب أن يكون دوره اشمل واعم بكثير من دور جمعية الصحافيين ، فالصحافة في عملها هي جزء من كل ، والكل هو الكتابة بفضائها الواسع والفسيح والذي لا يمكن تأطيره ضمن نشاط جمعية صحفيين على الإطلاق .

إن رسالة القلم رسالة نبيلة ومبرأة من أي منفعة أو غرض وحينما يقوم بها الكاتب المحترف عن صبر وإيمان واقتناع فإنما يمارس هذا الدور حسبة لله رب العالمين وقياما بالواجب لا أكثر ولا اقل .

ولذلك إذا أرادت جمعية الصحافيين في أي بلد عربي لأن تساند الأقلام الحرة فينبغي أن يكون دورها دور الأخ المخلص وليس دور القائد أو الموجه على الإطلاق .

وهي إذا ما أرادت أن تمد الجسور مع المشتغلين بالكلمة كتابة وتأليفا وإنتاجا إبداعيا متنوعا فعليها إذن أن تشد على أيدي تلك الأقلام الحرة بطرق تتناسب وحجم الهم المشترك والرغبة الصادقة التي تجمع بين الطرفين في إحداث الإصلاح والتغيير في الاتجاه الصحيح.

إن المساحة التي يقف عليها الطرفان جمعية الصحافيين من جهة والكتاب المستقلون من جهة أخرى فيما لو صحت التسمية  هي مساحة كبيرة وواسعة وممتدة وهذه المساحة يجب أن تكون لتحقيق تعاون حقيقي وخلاق وليس على أساس فرض الوصاية أو محاولة احتواء تلك الأقلام التي تزرع لمئات الأعوام القادمة وتشتغل تبعا للمربع الثاني من الزمن حيث تأتي النتائج بطيئة ولكنها فعالة متأخرة قليلا ولكنها حاسمة وعميقة وراسخة.

هذا ما يعمل له كل قلم حر وهو يتجاوز بكثير عمل طبيب الطوارئ الذي رغم حاجتنا الماسة إليه وتقديرنا لدوره الفعال فإنه حتما لن يستطيع وحده أن يغطي كل الأدوار وأن يعالج كل القضايا.

هذا التنوع والتباين في العطاء هو الذي يضمن لأي مجتمع حيويته وقيمته واستمراريته وفيما لو توقفت الأقلام الشريفة في الصحافة أو جفت ينابيع الفكر لدى الكتاب الذين يغردون خارج السرب فإن المجتمع سوف يركد والخطأ سيستفحل والاعوجاج سوف يزيد !!

نعم من أجل مزيد من الحيوية في تحريك عضلات التفكير لدى مجتمعاتنا لا بد من تحقيق أكبر صورة ممكنة من التعاون بين الطرفين خاصة وان التحديات التي تواجه مجتمعاتنا اليوم هي تحديات كبرى وبأشكال وصور مختلفة وعلى الشرفاء من حملة الأقلام العرب أن يبادروا بالقيام بمسؤولياتهم في الحفاظ على دفة السفينة من أن تجرف مجتمعاتنا لا سمح الله في اتجاه يبعدنا كثيرا عن مرافئ الأمان وشواطئ التمكين في أوطاننا وفي مقدراتنا !!

 

Advertisements

Read Full Post »