Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘زمن الامة الضائع’ Category

هكذا توزع الكراسي

بقلم: مريم عبدالله النعيمي

حادثات الدهر تأتي بالبدع

ترفع العبد وللحر تضع

والعبد هنا عبد المال لا الرق بالمعنى الشائع للكلمة ، والسؤال يشق نفسه إلى عنان السماء في مرحلة من مراحل سقوط المروءة وضياعها تحت أقدام اللئام . ولكن من هم العبيد اليوم ،  وما هو الدور الذي يمارسونه بنجاح لا يحسدون عليه وإن كان يحسدهم من هو أقل منهم لؤما بدرجة أو اثنتين .

من عجيب ما تأتي به الأيام هذا التهاوي في المستوى الأخلاقي للعرب وتحديدا يتناول المقال أولئك الذين شاءت الأقدار أن يستلموا كرسيا ويكون لهم شأن على بعض الناس في وقت من الأوقات .

هؤلاء اللئام ممن فقدوا المروءة ولم يعودوا يعرفون معناها أو يتصورون وجودها أصلا في الأرض هم منشئ لفساد حياتنا بشكل غير مسبوق

يصادفك هذا اللئيم الذي فارقته المروءة لتنمو في جذر قلوب الكرام يصادفك في مؤسسة جديدة رفع الحاكم لها راية وسلمها لبعض المغفلين، ووزع الأدوار بصورة يرثى لها العقلاء والشرفاء في كل مكان.

وبقدر انخفاض مستوى الذمة وبقدر غياب الضمير وبعدد مرات خفض الرأس وانكساره وذله بين يدي المسؤول الأول أو من هو فوقه تكون الكراسي وتوزع المناصب .

فهذا فلان تعرف من سيرته الذاتية تهالكه على المال وحبه للسلطة ورغبته العارمة في الوصول سريعا لأعلى درجات السلم

إنه شخص مرغوب ومطلوب يأسرك بتهالكه وسقوط رأسه وانحنائه المستمر كلما مر الزعيم الأول أو الثاني أو أي زعيم يفوقه في الجاه والمنصب .

إنه شخص مريض القلب ، عليل الروح ، سقيم الضمير ، لا يبالي إن عبث بميزانية المؤسسة ورماها تحت أقدام أجانب يجلبهم تحت مسمى الخبراء.

 لا يبالي إن لعب وخلط وباع في الناس واشترى. لا يبالي إن كان ما يقوم به يصب في جانب الإصلاح أو في جانب الهدم فكلاهما سيان المهم أن لا يهدم جانبه ، ولا تضيع منه فرصة لقضم شيء من المال والجاه والنفوذ .

هو عبد درهمه ودولاره يضحك ملئ شدقيه إن وصله خبر زيادة رصيده من هذا الباب أو ذاك ، ويتلوى من الألم إن ضاعت منه فرصة كانت ستجلب له بعض المال .

أصدقاؤه من أمثاله ، وحلفاؤه من أشباهه وأنظاره يبش لأشباهه من المزيفين ويكفهر وجهه إن رآى شريفا يقترب من مؤسسته أو يطلب مقابلته

غاضب الوجه مكفهر الجبين إذا ما سمع صوت أحد الشرفاء قريبا من نافذة مكتبه الوثير .

يفرح بلقاء الغرباء والدخلاء على وطنه ويؤلمه أن يرى قوة في أبناء الوطن

شجعان العقول والرأي ألد أعدائه،  وكل من لديه إرادة وقوة في قول الحق والدفاع عنه يضع تحته عشر خطوط حمراء ويقصيه من دائرة المقربين والحلفاء والأصحاب .

توزع الكراسي والمناصب على هؤلاء الذين ثكلتهم أمهاتهم وهم أحياء وافتقدتهم أخواتهم الحرائر وهم يدبون على الأرض لأن دبيبهم كدبيب الثعالب أو أكثر ضررا ومكرا .

تثكل أحدهم أمه حين ربته وظنت به الخير فأتاها منتفخ الجيب خاوي الروح هزيل النفس مسلوب الإرادة.

يحسب كل صيحة عليه ، ويظن كل خطب سيحيق به،  وإذا ما سمع عن أحد معارفه أنه أقيل من منصبه قال إذن سأكون التالي فيزدادا بالمنصب تشبثا ، وبالكرسي التصاقا حتى لو سألوه رأيه لأوصى أن يحمل الكرسي قريبا من قبره حتى يطمئن أنه ما من أحد سيأتي بعده ليجلس عليه فتبًّا له ألف مرة .

قد يلقي السؤال نفسه في وسط حريق الفعل الشائن والعمل القبيح الذي بدا من عبد الكرسي والمال والسلطان :كيف تراخت همة ذلك التعيس وأوصلته إلى هذا الباب المسدود؟

وكيف ضاعت عنه شجاعته فاندرى بوقا يسبح للسطلن ويهتف بحمده ؟

بل كيف خان ضميره ووطنه وأمته وباع كل شيء من أجل لاشيء ؟

بل كيف نسي يوم كان شابا رقيق القلب ينظر للعالم بعيون ملؤها الحب والسلام فإذا به بعد زمن ماردا من مردة الإنس يشيع الخمول والضعف وينشر المرض في أنحاء تلك المؤسسة التي عثر بها الحظ فسقطت في أتون ناره الظالمة .

هكذا يتم توزيع الكراسي في عدد من أوطان العرب وكلما انخفض مؤشر المروءة كلما زاد الطلب وأصبح الكرسي قريبا من أنامل فقير القلب والضمير.

هكذا توزع الكراسي ، وتقسم المناصب ، ويرسخ لبقاء أولئك التعساء عاما بعد عام ويجدد لهم في الولاية وتفرش لهم الورود وتعطر مكاتبهم بالبخور والفل والياسمين .

هكذا توزع الكراسي في عدد من أوطان العرب وكلما عرف عن فقير القلب والرأي والضمير أنه يعكر على الصالحين ، ويسئ للأخيار والنابهين ، ويترصد للموهوبين ، ويضعف من همة العاملين كلما زادت حوله النياشين وتضاعفت أرقام رصيده في البنوك.

هكذا توزع الكراسي في بلدان العرب إلا من تلك الاستثناءات التي تبقي شيئا من الدفء في أوصال حياتنا الباهتة ، وتفتح طاقة للتجدد في بحور القلق والأرق من جثوم هؤلاء على أرضنا الطيبة ، ومشيهم الكريه فوقها . ولو كانت الأرض تنطق للعنتهم وبصقت في وجوههم فهم عالة في ثوب مسؤول ،وآفة في ثوب أنيق!!

هكذا توزع الكراسي لكل دعي وأفاق وفاشل يكشف سجله الدراسي عن أفول نجمه قبل أن يبزغ،  وتعكس سيرته الذاتية خبالا وهبالا وقلة حيلة ووعي وإدراك .

سيرته الذاتية التي تعريه وتفضح ماضيه تتحول لأوراق من ذهب ولمغناطيس يجذب السادة الكبار للترحيب وتوسيع المجلس لضم هؤلاء الجدد

أذناب الناس وأشباههم .

سيرته الذاتية الخالية من مواقف الشجاعة والتضحية والعطاء هي صك الغفران والقبول وبريد الوصول السريع لقلب ذلك المسؤول الذي يروق له أن يرى الكاذبين والفاشلين من حوله وقد ارتقوا السلم وصاروا من علية القوم وسادتهم .

في زمن صار فيه الشريف آخر المطلوبين ، وأقل الناس شأنا في عرف أولئك المسؤولين ينفسح المجال سريعا وتفتح الأبواب على مصراعيها لترحب لتدفق صناع الغفلة في حين تختفي الرغبة في تقديم الأكفاء ورعاية المتميزين .

التميز الوحيد خيانة الضمير وسقوط الهمة وهذه مطالب كل حاكم لا يريد لصناع الرأي والفكر أن يزاحموه في قرار ، أو يسألوه عن خطوة فاشلة تضر بالوطن وتطيح بكرامة الإنسان .

في زمن توزع فيه الكراسي والمناصب للأذناب وقطعان البشر من المشدودين للغرب المنجذبين نحوه بكل ما أتوا من قوة تغدو مجابهتهم واجب ، والتصادم معهم دين ، وفضحهم دليل جسارة وثقة عالية بالنفس.

في زمن كهذا ولحظة كالتي يمر بها الأحرار اليوم يغدو نعت هؤلاء بأسمائهم الصريحة والوقوف في وجههم عملا من أعمال الخير الذي يصب في المصلحة العليا للوطن والأمة .

في مثل هذا الزمن الذي استنسر فيه البغاث يجب دون إبطاء شحذ الهمة لتعرية كل هذا الباطل ،وفضح كل هذا الزيف ، ومواجهة كل هذا البهتان والطغيان .

قد يثور سؤال هام :لماذا يطول الزمن أحيانا بهؤلاء، وتترفق بهم الحياة كثيرا قبل أن يطاح بهم والإجابة أن سقوط همة الكثيرين وعجزهم عن المواجهة هو الذي يطيل عمر هؤلاء ويمدهم بزمن أطول بكثير من أن أي احتمال .

سقوط همة الكثيرين وخوفهم وترددهم رغم معرفتهم بحال تلك الفئة المزيفة من الجالسين فوق الكراسي هو الذي يجعل هؤلاء يتمددون كالسرطان ويواصلون اجتراءاتهم على المصلحة العليا وقذفهم لأهداف الوطن ومطالبه

ركود الذهن وعجز الضمير وغبش الرؤية وانخفاض الطموح لدى عدد كبير منا هو الذي يمهد ويجدد لهؤلاء تلقائيا مكوثهم المزري فوق تلك الكرسي .

إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أهداف الوطن ومصالحه يأتي عبر حزمة  مواجهة صريحة ومباشرة مع أولئك الأذناب وإخبارهم بحالهم وبأنه لم يعد ثمة داع لمزيد من المداهنة والصمت المخجل فمن باع مرة ، وباع ألف مرة،  وباع مليون مرة لم يعد ثمة داع لابتسامة مزيفة يحيى بها أو مصافحة باردة أصبح لا يستحقها .

ومن لا يستحق الابتسامة أو المصافحة فعلى بقائه السلام هذا ما يدركه العارفون فكم عارف بيننا ، وكم لدينا من الجاهزية والاستعداد لتكسير عظام أولئك الأوغاد ؟

هذا سؤال إجابته هي المعضلة فليست المعضلة في وجودهم فحسب بل في سقوط همة من يعرفهم ويدرك الشر من وجودهم ثم ينحني للعاصفة ويقول لها: مري بسلام!!

 

Advertisements

Read Full Post »

رسم قسم التصميم بمؤسسة قيم فراغ مقيم

بقلم : مريم عبدالله النعيمي

كاتبة وباحثة إماراتية

alnaymiarticle@hotmail.com

هل حدث وأن دخلت مؤسسة ما فوجدت خلف المكاتب أشخاصا تعلوهم ملامح الاستياء والضجر ، وما من عمل بين أيديهم إلا تبادل النظرات الناقمة على كل شيء والعبث بالهواتف النقالة ؟!!

هل سبق وأن جلست في طابور انتظار تتحين دورك لرؤية الطبيب وطال بك المكوث واللبث وإذا بجميع من حولك يطيلون الصمت ، ويتململون من عناء الانتظار الطويل ؟

هل صدف وأن دخلت إحدى المؤسسات لقضاء حاجة لك وكان بيديك كتاب اكتشفت أنه الوحيد في قاعة تغص بالحضور وما من قارئ سواك؟

إن كنت تتساءل عن أسماء المدارس أو المراكز الصحية أو المؤسسات التي تعلو فيها أصوات الملل ويبرع زوارها وقاطنيها في تبديد الوقت فاعلم أن أغلب مؤسسات العرب هي من هذا النوع الرخو الذي يسخو من فيه بالزمن دون حد أو مقدار !!

السخاء ببذل المزيد من الوقت بالمجان دون مقابل هو أحد أنواع الثروة المتاحة لكل فرد والتي تهدر لصالح الخمول والكسل وقلة الفاعلية !!

المتطوعون لسحب أرصدتهم من أحد أهم الموارد المتاحة للإنسان هم الفئة الأغلب من أفراد مجتمعاتنا وسواء التفت هؤلاء لخطورة ما يفعلون أم جهلوا بالنتائج السلبية للأساليب الخطأ التي يتعاملون بها مع الزمن ففي كلا الحالين يصعب القول أن الفشل في إدارة الوقت هو مسألة هامشية لا تستدعي بذل الجهد الكافي لفهم بواعثه ومسبباته والعمل على تقليص عدد الذين يتسرب الوقت بين أيديهم بشكل مطرد.

قرون عدة مرت ونحن نتعامل مع الفشل في استثمار الزمن على أنه مسألة عادية لا تستدعي الخوف والحذر ،  ومر وقت طويل ، هو أطول بكثير مما تحتمله دورة نهوض الأمم وسقوطها وكل واحد منا ينظر للوقت على أنه شيء مرن قابل للضغط أو الإطالة حسب مشيئة الفرد وإرادته.

المؤسف في هذا السياق تقبل السواد الأعظم  لمثل هذا النمط من التفكير الساذج الذي قلص فاعلية الأفراد وأشاع قدرا من اللامبالاة بالواجبات طالما  أن الزمن مطاط وما يؤجل اليوم يمكن أن ينجز في الغد !!

تسويات عدة أبرمها قطاع عريض من أفراد الأمة مع الشرود الذهني ، والغفلة عما هو آت في ظل قناعة عامة مفادها أنه بالإمكان استدراك الوقت المقدر سلفا بأنه فضفاض ومرن ويمكن الإمساك به متى ما شاء الإنسان!!

إن القدرة على إدارة الوقت بكفاءة وفاعلية ليست مسألة ترفية ولا هامشية بل هي العامل المشترك الذي يفرض ذاته كلما تباحثنا في أدوائنا ، وعللنا الاجتماعية وحاولنا أن نتعرف أكثر على الملامح العامة التي تميز شخصية المسلم وهو يواجه تحديات غير مسبوقة تستهدف يومه وغده

إن تهميش هذه الشخصية يعد قرار بالانسحاب من مواقع التأثير والدخول في مواقع الاهتمام حيث المبالغة في رؤية المشاكل الشخصية وتكبيرها على حساب الاهتمامات العامة

ومن الثابت أن حدوث مثل هذا الشرخ في ذهنية الفرد مرده لإهماله المستمر في تطوير قدراته الذهنية واستكمال منظومته المعرفية وبالتالي يصبح صيدا سهلا للوساوس والأحزان وتضعف قدرته بالتالي على تغيير نمط حياته أو الإضافة لمجتمعه

نحن هنا لا نبالغ في رصد حجم الخسائر على المستوى الفردي وتاليا المستوى العام التي يتسبب بها هدر الوقت بصورة مكثفة ، ولكننا نرصد واقعا نتقلب فيه ونحكي عن جملة من الأزمات هي اليوم السلاح الذي يشهر في وجوهنا بينما نحن صانعيه ومنتجيه..

وبتذكر المخرجات التعليمية البسيطة وغير الفعالة يمكن أن نتعاون على تعميق قناعتنا بأن أولئك العابثين  بالزمن هم في مغامرة مكشوفة مع تحديات الحياة  ، والتي مع الأسف تشترط قدرا عاليا من الكفاءة والوعي  إضافة للحزم في أداء المهام ناهيك عن إيقاع العصر الشديد السرعة الذي يشهد ثورة معلوماتية لم يعرف لها التاريخ مثيل وعليه فلا مناص من استثمار كل دقيقة في الحياة لرفع مستوى المعرفة وتنمية الذات وتجويد المخرجات المهنية بناء على معرفة مسبقة ودراية متحققة .

ما يستدعي الألم هو أن أفراد امتنا – في غالبهم – يجهلون أن القراءة تنعكس على حالتهم النفسية وتسمو بتفكيرهم وتصنع لهم عالما من النجاح كلما برعوا في فهم قواعد المطالعة الفعالة وفهموا أسرار القراءة الواعدة

تتوفر مثل هذه الخبرة لكل شخص يتدرب بشكل يومي على المطالعة وتتهيأ لمن رفع سقف أهدافه ونآى بنفسه أن يكون على هامش الحياة

وحين تعجبك ثقافة أحد الأشخاص وتتمنى لو تحوز على مثل الذخيرة التي بين يديه فتأكد أن المسألة تأتي مع المران والجدية والدقة في التعامل مع الزمن.

والذين حققوا ذواتهم هم أولئك الذين لم يرضوا قط أن تذهب أيامهم عبثا وسنواتهم  دون مقابل .

Read Full Post »

Untitled-3

هيا نقتل وقت الأمة…!!

 

بقلم : مريم عبدالله النعيمي

كاتبة وباحثة إماراتية

alnaymiarticle@hotmail.com

 

هيا نقتل وقت الأمة ونتبادل الأدوار بذكاء نحسد عليه والذكي منا البارع فينا هو من ينجح في قتل وقت أكبر عدد ممكن من أفراد هذه الأمة !!

هيا نقتل وقت الأمة بدون أي تحفظ ، أو شعور بالخجل ، أو رغبة في حفظ ماء الوجه كلا فكل هذه المسائل ليس لها قيمة مقارنة بالفوائد الكبار المترتبة على التنسيق الرائع بيننا في الأدوار حين نتنادى .. نبادر.. نتعاون على اختلاق الفرص والاستفادة من المتواجد منها لقتل وقت الأمة.

هيا إن كنا معلمين نتبادل بعض الأدوار السهلة في هدر أوقات بعضنا بعضا عبر الجلسات الطويلة لتبادل الأحاديث والقصص والحكايات أو لشتم الواقع والتنديد بالحال.

لا يهم كم مرة في اليوم نفعل ذلك ، ولا يهم أيضا إن كان الحديث الذي نقوله اليوم قد قلناه بالأمس القريب ، والأمس الذاهب البعيد..قبل عام أو قبل عشرة أعوام لا يهم على الإطلاق أن نجلس ونسخر من طيش الجيل الجديد أو لضعف الإمكانات المادية المخصصة للتعليم.أو لندب الحظ العاثر الذي ألقى بنا في مهنة التدريس !!

لا يهم على الإطلاق كم مرة في اليوم نجتمع لنحتسي القهوة والشاي إن كنا موظفين حكوميين ، وكم مرة نتجاذب أخبار الترقيات والإحالات للتقاعد وما بينهما من هموم أو من مسرات تخص الآخرين ، وتفرض نفسها علينا ذلك وأن التعاون على قتل الوقت في الدوائر الحكومية بمثل هذا الأسلوب التقليدي الضارب جذوره في الفكر العربي منذ أكثر من خمسة قرون وإلى يومنا هذا يشجعنا نحن أفراد الأمة على المنافسة مع ذواتنا لترسيخ هذه العادة لزمن قادم قد يطول !!

وتشجعنا أيضا على تسجيل أرقام جديدة في الهدف الكبير (قتل وقت الأمة ) خاصة وأن العبرة بالنتائج الجيدة ، ولقد وجدنا نحن الموظفين الحكوميين في اجتماعاتنا المستمرة ، ولقاءاتنا المتكررة وجلساتنا الحوارية التي نصب فيها جام غضبنا على الأوضاع ، وعلى غلاء المعيشة وجدنا فيها وعاء يمتص شعورنا بالإحباط ، فما إن يفرغ كلّ واحد منا شحنته السلبية ، وشعوره بالمرارة من الواقع حتى يشعر بكثير من التحسن والراحة مما يغريه أن يكرر في الغد بوحه المستمر ، وتعريته الدائمة للواقع من حولنا!!

ولكون هذا الواقع يضغط بثقله على صدورنا ، وكذلك لأن كل واحد منا يشارك بشكل يومي زملاءه المتحمسين في النيل من وقت الأمة.

وأيضا لأننا جميعا ننجح كما نجحوا في تلك اللقاءات النقدية الدائمة فمن الطبيعي أن يظهر أحدنا حرصه الكامل على أن يكون أول المتواجدين في الجلسات الحوارية في الأيام التالية والتي تنفذ عادة في المكاتب أو في المطعم الصغير الملحق بالمؤسسة الحكومية ، أو في أي مكان آخر يقترحه علينا عقلنا المشغول بالبحث عن أفضل السبل لقتل وقت الأمة !!

لقد تحول التعاون لدينا نحن أفراد الأمة على قتل وقت الأمة من الهواية إلى الاحتراف وتحولنا بفضل مواهبنا الخاصة إلى مهندسي أفكار ثورية غير تقليدية نعلم الهواة الجدد والمبتدئين من الموظفين الجدد كيف يكون العمل الجاد في قتل وقت الأمة.

الطرق التي لدينا نحن الكبار المخضرمون لانجاز هذا الهدف الكبير طرق مدروسة ونهاياتها دائمة حسب توقعاتنا . ولأنه في بعض الأحيان يأتينا موظف جديد هو في الحقيقة خريج جديد لإحدى الجامعات ورأسه مع الأسف يحمل بعض المفاهيم حول أهمية احترام الوقت فإن من الطبيعي أن نبدأ في إعطائه جرعات مركزة وبمقادير معلومة وثابتة ليرتقي لمستوانا ويتخلص من بعض المفاهيم المشوشة التي ربما قرأها في أحد الكتب حينما كان طالبا على مقاعد الدراسة !!

هذا الخريج الجامعي الجديد قد أصبح زميلا لنا في المهنة ،وأصبح من الواجب تحيته بما يستحق من تقدير ومن رعاية ومن غيرنا نحن موظفو الحكومة الكبار ليتولى مهمة رعاية هذا البرعم الصغير.

من بين الدروس الأولى التي نبدأ في تعليمه إياها درس اسمه (أجّل عمل اليوم إلى الغد ) وهو درس بسيط وبالأسلوب العلمي والمشاهد المكثفة لنا يبدأ هذا البرعم الجديد في فهم الدرس الأول !

الدرس الثاني في قتل وقت الأمة اسمه( لا ابتكار ولا تجديد في إنجاز مهام الوظيفة) ومن الطبيعي أن يخضع هذا الشاب الجديد لدرس في تقوية مهاراته الذهنية فخوفنا عليه يجعلنا نشعر بعد فترة وجيزة أن علينا أن نحذره من عاقبة الاهتمام بتجويد أعماله الوظيفية لذا نبادر نحن مبكرين في تعرية الواقع أمامه لكي يكف عن أي محاولة لتجويد أدائه ومضاعفة حصيلته الإنتاجية !!

إننا وباتفاق جماعي نحن قدامى الموظفين الحكوميين قررنا أن نوالي الدروس الهامة للبرعم الجديد الذي لا نريده أن ترتفع توقعاته ويزداد حماسه للانهماك في العمل ، والقيام بكافة واجباته فلدينا من التجربة المتراكمة ما يؤكد أن هذا الطريق المفروش بالحماس طريق نهايته مسدودة حيث لا ضوء في نهاية النفق!!

لقد جربنا نحن “الموظفين القدامى” هذا الطريق في سنوات العمل الأولى وقمنا بأعمالنا على أكمل صورة وبعد مرور عدة سنوات اكتشفنا حقيقة اللامعيارية واللاإنصاف اللذين يصبغان أغلب مؤسساتنا الرسمية ، ولذلك قمنا بتحويل مسارنا في العمل ورضينا من الغنيمة بالراتب الشهري الذي وجدنا فيه بعض الضمان من قسوة الأيام وتقلبات الزمن.

نعم بملء إرادتنا الكاملة تصالحنا مع قيم التواكل والركود ورضينا بتقديم أداء روتيني عادي لمهامنا اليومية وارتضينا جلسات الحوار والفضفضة سبيلا لتفريغ شحنات الغضب من واقعنا الصعب.

الدرس الثالث الذي تطوعنا جميعا لتعليمه للبرعم الصغير اسمه ( مداهنة المدير وموافقته على كل حال) هذا الدرس بطبيعة الحال من الدروس الهامة التي ينبغي الإسراع في تعليمها كل برعم جديد والخوف كل الخوف على هذا الخريج الجديد أن يتقدم بين يدي المدير بأفكار تخالف الأفكار المطبقة في بيئة العمل فيحدث ما لا تحمد عقباه.

نعم إن من واجبنا حماية البرعم الصغير من كل الأخطار التي قد يتعرض لها وتلقينه سريعا الخطوات للازمة لدمجه في مدرستنا الرائدة وتعليمه أصول المهادنة والتصالح مع النظام السائد وكذلك مع أفكارنا الراكدة هذا إن أراد أن يصبح عضوا فاعلا فينا.

العضو النشط فينا هو العضو المتطفل الذي يهتم بجلب الأخبار من هنا وهناك ويشمشم عنها باحثا عن كل ما قد يشبع نهمنا وفضولنا لمعرفة الأخبار على تنوع مصادر واختلاف موضوعاتها.

أيضا من الأعضاء الجيدين الذين يتواجدون بكثرة في العديد من مؤسساتنا الأعضاء المثبطين للعزائم الذين يضعون كل خطأ وانحراف في الأداء في رقبة الحكومة مبرئين أفراد المجتمع من أي تبعة تقصير او شعور بالمسؤولية.

هذا العضو الذي يتميز بقدرته الفائقة على تثبيط الهمم هو شخص فعال وذو قدرات ديناميكية عالية حيث لا يكاد يكف عن الثرثرة حول تردي الأوضاع الشخصية والعامة ناسبا الأسباب الجوهرية لضعف الحكومة وتخيلها عن واجباتها الجسيمة.

مثل هذا الموظف الجيد شخص هام ومساعد نشط في هدر وقت الأمة وبعثرة الطاقات وذبح الهمم التي لديها بعض التطلع للإصلاح.

إنه معلم كبير في مدرستنا الكبيرة مدرسة “إهدار وقت الأمة وطاقات أبنائها وشل فاعليتهم” بطبيعة الحال نحن لم ننجح نجاحا كاملا فهناك من تمرد علينا ولم ترق له أذهاننا المترهلة وهممنا الضعيفة وانطفاء حماسنا للتجويد والإبداع فانبرى مشمرا عن ساعد الجد وعاقدا العزم على التعبير عن أفكاره مؤمنا بمسؤوليته الفردية وقدرته على ترك بصمة على جبين الأيام.

مثل هذا الفرد المتألق موجود في مؤسساتنا ، وبين أفراد المجتمع لكن العدد الإجمالي لهؤلاء الجادين لا يكاد يتناسب وحجم الجهود المطلوبة لإحداث النقلة النوعية التي تحتاجها الأمة في كافة أوجه نشاطها.

نعم هناك أشخاص يتمردون على الرتابة والضعف ولديهم طاقة إيجابية تكفي للمئات من الناس لكن المعادلة التي يمثلون شقها الأول لا تكاد تتحقق نتيجتها لكون الصعوبات التي تواجههم تمثل في حجمها وقوتها قوة ضاربة لها جذورها العميقة والتي بطبيعة الحال تتطلب تكاتف الجهود وتضافر الإمكانات لإصلاح الضعف والتشوه وكل العوائق المحيطة بنا.

أما نحن الذي اتفقنا على قتل وقت الأمة ، ونفضنا أيدينا من المشاركة في جهود الإصلاح فنحن منطقيون مع أنفسنا ولا نحتاج لمراجعة للذات فذواتنا هي الأخرى تتطلب جهودا من نوع مختلف لإيقاظها من سباتها العميق.

لله ما أثقل نومنا وما أعمق حال السكون الذي يلف أعماقنا إن الخدر الذي بداخل فريقنا النائم على درجة عالية من التأثير والانتشار.وها نحن ذا نتمايز يوما بعد يوم في مجتمعاتنا العربية ما بين أفراد احترفوا العمل على قتل وقت الأمة وآخرين قرروا الدخول في جهود الإحياء والإصلاح .

أما أنت يا قارئ هذا المقال فلا عن كيفية إيقاظنا فتلك قصة بها الكثير من التفاصيل وصناعها يتمتعون بصاف استثنائية من بينها قدرتهم على مواجهتنا بحقيقة أنفسنا.

لعل المجاملة والسكوت عنا هو جريمة لا تقل عن جريمتنا الكاملة في حق الأمة . إن الصمت عنا وتركنا دون عقاب هو أحد أسباب تضييعنا للأمانات وليت من يبادر بعقابنا وتأديبنا ويتولى زمام إيقافنا عند حدنا.

ليت الأيام تمر سريعا ونجد من يواجهنا بسوء الحال الذي نحن عليه وبحجم الخراب الذي صنعته نفوسنا المريضة.

ليتهم يباشرون في تفريق شملنا نحن الكسالى المحبطين ويعيدون تشكيل فرق العمل وفقا لقاعدة تفويض القوي في تطوير الضعيف.

ليتهم ينتخبون الصالحين ، ويمكنوهم من قيادتنا لأننا بأمس الحاجة لمن يعيدنا إلى الرشد فقد تباعدت انحرفت خطواتنا كثيرا عن طريق النجاة وحار دليلنا!!

 

 

 

Read Full Post »

Untitled-11رسائل الانترنت ثقيلة الظل

 

بقلم : مريم عبدالله النعيمي

كاتبة وباحثة إماراتية

alnaymiarticle@hotmail.com

ثقيلة الظل وليست ثقيلة المعنى باهتة بلا لون ، ولا تأثير هي رسائل الانترنت الثقيلة الظل التي لا تحمل من ملامح التميز شيئا يذكر على الإطلاق .

رسائل الانترنت الثقيلة الظل باتت اليوم هما مؤرقا لكثير من القراء الجادين ، والكتاب المنصفين ، والفئة المستنيرة من هذه الأمة المباركة

ولان الأشخاص الكبار معنى ومبنى يغلبهم الحياء فلا يقولون لثقيل الظل صاحب الرسالة الملغمة أن رسائلك غالبها من هذا النوع فقد راق لفئة كبيرة من أصحاب الرسائل العديمة الجدوى فعلهم ، وبدا لهم أن مراسلتهم لهذا الشخص أو ذاك تضعهم في قائمة معارفه المفضلين أليس يرسل باطراد رسائل على بريد هذا الكاتب الجيد أو الموظف المتميز أو الشخص المؤثر ذو السمعة الطيبة إذن لقد أصبح بحكم الواقع في دائرة معارفه المتميزين وإلا فما معنى أن لا تصله عبر الشهور والأعوام رسالة واحدة تقول له أن اختياراتك من صيد الانترنت لا معنى لها ، وأن رأسي صار مثقلا بالصور الباهتة المعنى ، وبالاختيارات الضعيفة التي تختار إرسالها إلي !!

الحقيقة الثانية هي أن الجادين من البشر ليس لديهم وقت لإيصال رسالة ساخنة لهذا القارئ أو ذاك وتعريفه بفساد ذوقه في اختيار ما يرسل من رسائل البريد الأمر الذي يجعل الفضوليين والمتطفلين من أصحاب البريد المولعين بالرسائل يطمئنون إلى أن رسائلهم الماطرة قد نالت استحسانا وقبولا لمن راسلوهم وأمطروهم بتلك الهدايا المزرية!!

هذه العلاقة الافتراضية التي صنعها العالم الرقمي وعبر بوابة الانترنت صارت اليوم بحاجة ماسة لفتح ملف شامل ومتنوع حول طبيعة أداء متصفحي الشبكة ، ومدى النمو الذي تحقق لهم عبر استخدامهم هذه الأداة كوسيلة هامة في التواصل وتبادل الأفكار

إن المحزن في تلك الحال المرتبكة التي وصل إليها عدد كبير من متصفحي الانترنت هو غياب المقالات النقدية التي تطالب القراء جميعهم بتحمل مسؤولياتهم تجاه ما يقرؤون وما ينتخبون وما يؤثرون من قراءات قد تكون عواقبها غير سارة ولا مشجعة!!

أسئلة كثيرة تفرزها حالة العجز عن استثمار هذه الوسيلة الفائقة الأهمية في تطوير الفكر والارتقاء بالمعرفة إلى جانب النجاح في التواصل الثقافي عبر وسائط جديدة ، وأدوات لم تكن البشرية تعرفها من قبل.

من الموضوعات التي تدل على فساد ذوق عدد كبير من القراء اهتمامهم بموضوعات الإثارة وملاحقة أخبار أهل الفن والطرب ، ومتابعة خطوط الموضة إلى جانب القصص الشاذة والغريبة ، وأخبار الساقطين والساقطات من أفراد المجتمع .

 هذه التوليفة الغربية التي تدل على فساد الذوق وانحداره وضمور ملكات التفكير المتزن لدى فئة من القراء تستوجب الوقوف والتعرف على مؤشر النمو الفكري ، ومدى تحقق مستوى السمو والنبل في اختيار القراء لما يقرؤون ، وما يتابعون ناهيك عن اختيارهم إرسال نفس الرسائل والصور التافهة إلى قراء جدد ، ومعارف التقطوا بريدهم الالكتروني من هنا وهناك فبدا لهم أن يتحفوهم بتلك الموضوعات التي لا وزن لها ولا قيمة !!

يعجب المرء ويحق له العجب من الانحدار في الذوق وفساده إلى حد يختار المرء فيه ملاحقة الشذوذ ، والضعف وقبوله بدور المتطفل الباحث عن الموضوعات الصفراء -قياسا على الصحف الصفراء – ومدى استفحال هذه الحالة لدى الجمهور . وكما أن التغذية الفكرية الجيدة تؤدي لتكوين مناعة فكرية ونفسية على المدى الطويل فكذلك الأمر بالنسبة للفئة التي تغريها الموضوعات المبهرجة والمواد ذات الوزن الخفيف والأثر الباهت

إن القبول بقراءة مواد سامة وإدمان هذه الحالة ولو كان في البداية من باب الفضول والرغبة في التعرف على ما يجري في الواقع فإن المداومة على تلك الموضوعات يؤدي مع مرور الوقت إلى القبول والسرور بتصفح تلك المواد السامة ، والدليل الدامغ إعادة إرسال تلك المواد إلى قراء آخرين ما يؤكد وجود حالة من التبلد الذهني والتراخي العقلي عن استثمار الطاقة الذهنية المتوفرة لدى تلك الفئة في الاتجاه الصحيح!!

سلوك فج آخر يحتاج لوقفة طويلة ، ولكتابات جادة من قبل الغيورين على البنية الثقافية والمعرفية لمجتمعاتنا ظهر وتواصل عبر الكتابات على الانترنت يتجلى في الكتابة الجديدة ذات الحروف المتشابهة المكررة مرات ومرات للتأكيد على كلمة يريدها الكاتب !!

من ذلك كلمة ( شكرا ) تكتب هكذا ( مشكووووووور) وكل كاتب فرح بإبداعه الجديد وابتكاره اللغوي الذي فات عمالقة اللغة في عصر التأصيل للغة القرآن وترسيخ جذور لغة هي من أعظم لغات الأرض!!

فكلمة ( شكرا ) كما نعرفها سابقا باتت اليوم غير كافية للتعبير عن الشكر الحار ولو كتب المرء مثلا ( أنا أشكرك كثيرا ) أو ( شكرا جزيلا) فهذه أيضا صياغة لا تكفي للتعبير عن الشكر الجزيل ، أما (شكرا ) بلغة عرب هذا الزمن فهي هكذا( مشكووووووور) وكلما كررت الواو في هذه الكلمة كلما دل ذلك على كرم أخلاق كاتبها، وفيض مودته ، وسخاء نفسه!!

 إذن كرر حرف الكاف كثيرا حتى يعرف المسجل في المنتدى ، أو الزائر الجديد انك تقصد الشكر الجزيل بتلك ( الكافات) التي صارت حروفا متتالية يجري كل حرف فيها وراء الثاني ، ويلحق كل حرف بأخيه في متوالية عجيبة ابتدعها شباب بني يعرب ، ورجالاتها الأشاوس الذي فاقوا علماء اللغة علما وقدرا ، وجاوزا سماء اللغة كياسة وعقلا ، فرجحت عقولهم فوق تلك العقول الراجحة ، وتاقت نفوسهم المجددة لتجديد دماء اللغة التي بدت لغة عجوزا بالية غير قادة على الوفاء بمتطلبات العصر الجديد الأمر الذي يستوجب لغة من نوع مختلف ، وحروفا متظافرة يركض بعضها خلف بعض ليؤكد المعنى الكبير الذي فات زيدا وعمرا من علماء اللغة وشعرائها وأدبائها ومشايخها ، ومن كتب منهم في الأوزان الشعرية ، ومن سبق في التأصيل لقواعد النحو واللغة ، ومن سافر بالكلمات إلى آفاق جديدة واشتق للغة من المعاني ما هو حي حتى يومنا هذا !!

رحم الله ابن منظور الذي وضع كتاب لسان العرب وقال في مقدمته :”

: “ولا أدعي فيه دعوى، فأقول: شافهت أو سمعت، أو فعلت أو صنعت، أو شددت الرحال، أو رحلت، أو نقلت عن العرب العرباء، أو حملت، فكل هذه الدعاوى لم يترك فيها الأزهري وابن سيده لقائل مقالاً، ولم يخليا لأحد فيها مجالاً، فإنهما عيّنا في كتابهما عمن رويا، وبرهنا عما حويا، ونشرا في خطبهما ما طويا، ولعمري لقد جمعا فأوعيا، وأتيا بالمقاصد ووفيا… وليس في هذا الكتاب فضيلة أمت بها، ولا وسيلة أتمسك بسببها، سوى أني جمعت فيه ما تفرق في هذه الكتب… وأديت الأمانة في نقل الأصول بالفص، وما تصرفت بكلام غير ما فيها من النص، فليعتد من ينقل عن كتابي أنه ينقل عن هذه الأصول الخمسة “

والأصول الخمسة التي عناها ابن منظور هي كتاب “تهذيب اللغة” للأزهري، و كتاب “المحكم” لابن سيده، و “الصحاح” للجوهري، و “حاشية الصحاح” لابن بري، و “النهاية في غريب الحديث” لعز الدين بن الأثير .

ورحم الله أبا الأسود الدؤلي وسيبويه الذي ولد سنة 140 هـ ، والخليل بن أحمد الفراهيدي ولد سنة100هـ والفيروزبادي ولد سنة 729 هـ ، وإسماعيل بن حماد الجوهري أحد أركان اللغة ومن أذكياء العالم كما قال عنه الذهبي ، وابن جني الذي كان أباه روميا مملوكا فحصد بعلمه ما لم يدركه كثير من أبناء العرب الأقحاح . والذي أنشد قائلا:

فإن أصبح بلا نسب … فعلمي في الورى نسبي

عـلى أني أؤول إلى … قرومٍ سـادة نجـب

قيـاصرة إذا نطقوا … أرَمّ الدهـر ذو الخطب

أولاك دعا النبـي لهم … كفى شرفاً دعاء نبي

إن هؤلاء العلماء الراسخين في علم اللغة قد صاروا بميزان فئة من القراء العرب اليوم تاريخ وانقضى ، فأتوا لمرحلة سابقة ووضعوا قواعد لعصر عرف بالبطئ والتأني والتؤدة ، أما أبناء الألفية الثالثة من العرب فهؤلاء أتوا في زمن السرعة ، والزمن السريع يتطلب لغة سريعة لذا لا بد من فقه جديد ، ومؤصلون آخرون يبتكرون قوالب لم تعرفها اللغة في السابق ، لكن إيقاع العصر بات يطلبها فما لهم إذن ودراسة لغتهم القديمة ليبادروا على وجه السرعة في تلبية حاجتهم للتواصل اللغوي، وليحفظ الله هذه العقول الواعدة فهي ما زالت غضة وولادة ، وقادرة على الإتيان بالجديد !!

ولقد أتوا بالعجائب ، وفاجؤونا بالغرائب ، والميزان الجديد الوحيد بسيط للغاية كل ما يلزمك فعله للتعبير عن رضاك ، وعن غضبك . عن قبولك أو رفضك للتعبير عن رأيك في أي موضوع هو أن تأخذ حرفا أو حرفين فتكررهما حرفا تلوا آخر في متوالية غير موزونة ولا متسقة بميزان إلا ميزانك أنت اكتب شكرا هكذا ( مشكوور ) أو هكذا( مشكووور ) أو زد حرف الراء راء ، أو راءين خلف حروف الكلمة وبهذا تصل لمبتغاك ، ويصل للقارئ المعنى الذي قصدت !!

ليست هناك مشكلة مع العقول الجديدة الخلاقة التي أراحت شباب اليوم من أثقال النحو والبلاغة والأدب

ناهيك عن الإملاء واشتراط صحة حروف الكلمة . كل ذلك صار قديما لا معنى له أو غاية ، فالغاية الجديدة التبسيط والتسهيل ورص الحروف خلف بعضها البعض ليصل إلقاء المعنى العميق من وراء ما تكتب .

خاصة وأن ما تكتب عظيم وفائق الجودة وكيف لا وأنت وأبناء جيلك قد اكتشفتم لغة جديدة ، وصرتهم منظّرين ، وفقهاء لغة سهّلوا الصعب وهوّنوا ما كان يحتاج لجهد وعناء!!

وإن كانت كتاباتك خربشات -حسب ميزان الأمس- فهي لغة شبابية حسب الميزان الجديد ، وإن خفت في الماضي أن لا يأبه لما تقول أحد لأنك ببساطة لا تستطيع أن تكتب فقرة واحدة متماسكة فلا بأس ذاك ماض وذهب ، وتلك أيام غابرة أكل الدهر عليها وشرب !!

الجديد اليوم أن الجميع بإمكانه أن يكون كاتبا كبيرا، ومن كان يخشى أن يقرأ خربشاته في الماضي أقرب الناس إليه صار اليوم مشرفا على مواقع كبيرة، وصاحب مدونات يغدو عليها الغادي ويروح . وفيلسوفا عبقريا فوق العادة يعبر عن شتى المعاني بلغته الجديدة ، وطريقته الفريدة في التعبير عن الأفكار والآراء !!

لا يهم حجم الدمار الذي تتسبب به هذه اللوثة الفكرية في الكتابة والتعبير، واستبساط اللغة لدرجة الاستهبال هذا أمر لم يعد يثير القلق لدى الكثيرين فلا مجامع لغوية ستنتفض ، ولا مراكز بحثية ستغضب ، ولا جامعات في اللغة ستفصل هذا الطالب الذي يكتب بأسماء مختلفة ويعيث فسادا في لغة القرآن ، ولغة نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام.

وحتى لو كان كاتب هذه اللغة الجديدة طالب في قسم اللغة العربية أو التاريخ أو في أقسام الدراسات الإسلامية والشريعة أو في علوم الاجتماع فلا باس أن يواكب إيقاع العصر وأن يندمج مع هذه الصرعة الخفيفة الظل المستحسنة من شباب اليوم

إن التخفيف على القراء شيء جميل ومداهنة الواقع أجمل وأولئك الذين ما زالوا يقرؤون لابن جني والفراهيدي وابن منظور لن يعرفهم أحد ولن يتقبل منهم إلا أمثالهم من الذين يعقدون الأمور وينظرون للآخرين من بروج عاجية !!

هذا وحتى إشعار آخر سوف تمتد هذه الموجه الهجينة لتـأكل في طريقها أروع وأرق المشاعر تجاه لغة عظيمة ، وسوف تتقزّم الأفكار تبعا لتقزّم أساليب التعبير، وطرائق عرض المعتقدات والآراء.

وكلما تباعدت الهوة بيننا وبين قواعد اللغة كلما زاد حجم الضياع وفقدان الصلة بالهوية وزاد مؤشر الاغتراب ارتفاعا وتضاعفت مساحة الشذوذ والضعف وأي فهم لا ينطلق من الاقتناع بالغيرة على اللغة هو فهم مريض يحتاج لإصلاح وإعادة ترميم وكيف لا ومعجزة نبي الإسلام قرآن تحدى الله ببلاغته الثقلين ، وكان سببا لإيمان من عرفوا اللغة وأدركوا طرائقها.

 

 

 

Read Full Post »