Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for 18 ديسمبر, 2011

بقلم : مريم عبدالله النعيمي
خمسون عاما وأكثر هو عمر التغريب المكثف الذي خضعت له مصر من فوق ترابها والذي تسبب في نتائج اجتماعية على مستوى الوطن العربي لا يمكن بحال تصور حدوثه قبل تلك الفترة .
كانت مصر قبل عقود ستة حالها كحال عموم المجتمعات العربية ترى في الدين منهجا للحياة وترى في التمسك به خيارا مبدئيا لا يقبل النقاش والجدال .
ورغم ما وقع فيه المجتمع المصري من تحديات كان أبرزها الاستعمار الإنجليزي الذي جثم عقودا على صدور المصريين ورغم التخبط السياسي الداخلي والخارجي للحكم التركي مجسدا في أحفاد محمد علي إلا أن المجتمع المصري في عمومه ظل شامخا باعتزازه بالدين كرمز للهوية وكنموذج للانتماء .
بنية المجتمع المصري ظلت حتى قبل خمسين عاما ملتحمة بفكرة التدين الفطري الذي يصبغ على حياة المصري تماسكا ويمنح تلك الحياة صلابة وقدرة على المواصلة والاستمرار في وجه التحديات .
الأمر ذاته انسحب على عموم المجتمعات العربية التي وإن ظل جزء منها يعيش نهايات عصر الاستعمار إلا أن الاعتزاز بالدين والتدين كان أمرا مفروغا منه بغض النظر عن التفاوت في التطبيق .
قبل خمسين عاما انطلقت سينما الأبيض والأسود في مصر كواجهة للتفاعل بين الشرق والغرب وكان الإعلام أداة سحرية والسينما مادة ترفيهية لم يكن للمصريين بها عهد أوصلة إلا في تجارب أولى ومحاولات بسيطة تمخض عنها بعد ذلك ولادة سينما ذات ملامح خاصة وصبغة معينة اصطبغت بها .
وجاء مع السينما بل ومن خلال السينما ما لم يكن للمصريين به عهد من قبل وجاءت الأنماط السينمائية والشخوص التي تقدم تلك الأنماط صورا جديدة تعكس حالة جديدة بصورة غير مألوفة أو معروفة .
إذ لم يكن هناك من يتصور ظهور مادة فيلميه مصورة تجمع بين رجل وامرأة ترتدي ملابس غير محتشمة وتقدم مشاهد عاطفية في إطار ترفيهي وفي قالب سينمائي يغري بالمشاهدة .
كانت مصر كباقي دول الوطن العربي ترى في احتشام المرأة صورة تدل على النضج والالتزام واحترام القيم ولم يكن متصورا ظهور أنماط نسائية تلبس ملابس الغربيات وتقدم أنماطا سلوكية ليس لها علاقة بالالتزام والاحتشام لا في الهيئة ولاحتى في الفعل والكلمات .
انقلبت الصورة المقدمة للفتاة الناضجة رأسا على عقب ووجدت الصحف في النماذج النسائية الجديدة مادة إعلامية سهلة وجذابة.
وأتت نعوت الثناء بالمكاييل ، وانهمرت ألقاب التمجيد والتفخيم والتضخيم كالمطر في موسم ممطر.
وجاء التلفاز مباركا ومرحبا ومستوعبا تلك النماذج السينمائية التي أنتج بسببها العشرات من الأفلام الوثائقية ، والمقابلات الحية والعروض المختلفة التي تصب كلها في وعاء اسمه الحداثة ومواكبة روح العصر .
استمر تمدد الموجه وعلا ارتفاعها لتتبعها موجات متلاحقة شكلت حالة من الانجذاب والإعجاب والتأييد لهذا النوع من الترفيه الناعم .
غذى تلك الموجة وزاد من انتشارها أدب مكشوف ، وروايات ضربت على أوتار العاطفة ، وجرد أصحابها أقلامهم في رسم صور فضفاضة وفي وضع ملامح جديدة للعلاقة بين الرجل والمرأة .
واكب كل ذلك تسجيلات من الأغاني التي غذت تلك الأفلام وحلقت بها في سماء الخيال الباحث عن المزيد والمزيد من تلك العروض والأعمال .
وتم استنساخ التجربة المصرية التي قيل عنها أنها ملهمة ومحفزة للإبداع والإنتاج العبقري الجديد وبالطبع كانت لبنان النموذج الأكثر استعدادا لهضم الحالة الإعلامية المصرية والتقدم من خلالها كنافذة جديدة من نوافذ الإعلام الجديد ذو القوالب المتحررة من قيود الدين والمجتمع .
دخل الإنتاج الأردني على الخط تلفازيا ولكن بتحفظ شديد وبضوابط أكثر وضوحا واحتراما للخطوط الحمراء من النموذج المصري المقلد .
في سوريا وفي الكويت ثم بعد ذلك سائر الوطن العربي ظهرت نماذج نسائية جديدة تريد أن تضع بصمتها في المسلسلات العربية وقد تباين إلى حد كبير وضع المرأة كما اختلفت الأطر التي قدم من خلالها دور المرأة والنموذج الذي تجسده .
لكن النموذج المصري ظل متقدما بمراحل لا تجارى ليس فقط من حيث المساحة المتاحة للعلاقة بين بطلي الفيلم فحسب وإنما من حيث الكم الذي لم يعد ثمة شك في أنه متفوق على الجميع .
مقدار تأثر المجتمع المصري بتلك النماذج النسائية الجديدة لم يكن من السهل قياسه ولكن ظهر دون شك وتبلور بعد خمسة عقود من الفعل المتصل حالة من التقليد الذي تنامى بدوره وشكل حالة من التقليد الكامل لسيدة الشاشة العربية ( فاتن حمامة) ولمعبودة الجماهير (نادية الجندي ) ولسندريلا الشاشة ( سعاد حسني ) ولقطة الشاشة ( لبلبة ) ولهند رستم مارلين مونرو العرب ولكل أنثى جسدت النموذج السينمائي.
عدد السائرين في الركاب من المذيعين والمحررين وسائر الكوادر الاعلامية كان كبيرا جدا .
فالمواد الإعلامية صارت صدى للممثلين والممثلات والمطربين والمطربات وتضخم فريق الكتاب والمذيعين الذين لا يرون في سماء المجد نجوما تطاول قامة أبطال السينما والتلفاز .
لقد صاروا أقمارا في الليلة المظلمة ومصابيح في دهاليز العتمة وقناديل في الليالي التي يفتقد بها البدر .
قدموا على أنهم نماذج جسدت البطولة والقيم والجمال في حياتنا ورصدت ميزانيات باتت تتضخم عاما بعد عام لتقديم طوابير الانتظار وفتح المجال للراغبين والراغبات السير في طريق المجد المتاح .
وكما هو متوقع كان هناك صدى لا يمكن نكرانه لتلك النوافذ المفتوحة على المجد والمال والشهرة . وإذا كانت النعومة النسائية والصوت الحنون والموسيقى الناعمة أدوات سهلة للنجاح إذن فليطلق العنان للموسيقى حتى تصم الآذان ، وليطلق العنان للرقص ومحاكاة الكليب الغربي دون أي نكران .
ولتتحرك الكاميرا بجنون غير مسبوق وليصبح المخرج هو ذاته أحد المخدرين تحت أنغام الموسيقى والجو الفاضح الغريب وليكن بعد ذلك ما يكون !!
واحتار الخيرون منا والصالحون أي الفريقين أحق بالأمن وأيهما أجدر بالنجاح والتقدم : هل هي تلك الفئة المتمردة التي وضعت الفن فوق كل اعتبار أم هم أولئك المنهمكون في أهدافهم السامية المنقطعون لأعمالهم المشروعة ولكسبهم الحلال ؟!!
وزاد من حد الغرابة والخوف من القادم والمجهول تلك البرامج التي تبحث عن الهواة في عالم الرقص والغناء والتي كشفت عن طوابير يصل عدد أفرادها إلى الآلاف وكلهم لهفة وشوق لإجازة الحكام المحترفين وقبولهم في دنيا الرقص والراقصين.
جاءت البرامج ال ( إم بي سي ) لتفتح نوافذ جديدة لأولئك الذين وجدوا في عالم الرقص والطرب فرصتهم الكبرى للشهرة والمال والذهب .
فخاف الصالحون ، واحتار المربّون ، وتعجب الكثيرون حين رأوا الفتيات والفتيان بالآلاف وهم يرقصون ويتمايلون على المسرح كيفما يشاؤون
هل بلغ بنا التغريب إلى هذا الحد ، وهل وصل العطب إلى العصب ، وهل يرجى برؤنا وهل يفلح شبابنا وشاباتنا ؟!!
وتكاثرت الأسئلة كالسيل المنهمر فإلى أين نحن نقاد ، وما هو الحد الذي سنبلغه إن ظلت الصورة هكذا ؟!!
لكن ما وراء الصورة كان شيئ مختلف ، وما خلف الألوان التلفازية ثمة عالم حي ينبض بالخير الوفير . كما أن ما وراء تلك الجموع الراقصة أفواجا مليونية لا ترى في غير الهوية والحفاظ عليها صيغة وصبغة ومرجعية .
جاءت انتخابات مصر قائدة التغريب في الوطن العربي في المجال السينمائي والتلفازي بل وفي الروايات الأدبية جاءت لتقول إن مصر الحية حرة ، ومصر المجتمع هو الأفق الذي علا فوق تلك السفاسف وسما فوق تلك الأضواء الباهتة!!
إن إضواءكم يا أهل التغريب لخافتة ، وإن سماءكم لقريب سقفها، كما أن ناركم لا نكاد نراها أو نحس بها !!
هكذا جاء المجتمع المصري بملايينه لا بآلافه ، وبجموعه لا بفرق قليلة العدد ممزقة القلب والهوى جاء ليقول وعبر صناديق الاقتراع نحن نختار أهل التدين لا أهل الحداثة ليحكمونا وليتولوا شأننا .
أين ذهبت ريحكم يا من رأيتم في التدين ضعفا ، وفي الالتزام علامة على الجهل والتخلف ؟!!
أين ذهبت الملايين التي صرفت من أجل صد المجتمع المصري عن دينه وتطبيعه مع قيم الغرب وأنماطه المعيشية ؟!!
كيف تبخرت كلمات المذيعين والمذيعات من المتنورين والمتنورات اللذين لا يستضيفون إلا أمثالهم من الساخرين من المحجبات والملتحين؟!!
كيف طارت شعاعا آلاف المواقف العاطفية التي قدمتموها في السينما كنماذج لما يمكن أن يربط بين الجنسين في الحياة الجامعية والمهنية
كيف انمحى أثر الأغاني العاطفية التي اختزلت حياة الشباب في البحث عن فتاة أحلام تلبس الجينز ، وتشرب السيجار ، وتركب خلف الشاب فوق دراجته البائسة!!
كيف طارت ، كيف انمحت ، كيف اختفت آلاف الدروس الحية والمسجلة عن كون المتدينين من السذج والبسطاء والجاهلين وكيف لم تنطلي على ملايين المصريين حججكم في أن المتدينين سيقهقرون مصر ويعيدونها إلى الوراء؟!!
لماذا لم تنطلي شائعاتكم إلا عليكم ولماذا لم يتأثر الشارع المصري وعبر صناديق الاقتراع بعشرات بل بمئات الدعاوى والشبهات التي ألقيتم بها أيها المتحررون ضد المتدينين
ترى هل كانت ثمة شائعات وتهم يمكن أن تؤثر على المصريين وغابت عنكم أم هل تراكم وأنتم تسخرون من المتدينين وتصفونهم بالجهل و السذاجة والتخلف غاب عنكم ذكر فوائد التحرر ، والتخفّف من الدين ؟!!
كيف عجزتم يا أساتذة الجامعات من المعجبين والمعجبات بكليبات نانسي عجرم أن تقنعوا المصريين بأن الطريق للوصول إلى المريخ قبل الولايات المتحدة يأتي عن طريق مزيد من الانفتاح بين الجنسين والذوبان في بوتقة المدنية الغربية المعاصرة .
لقد كان أمامكم يا أهل التغريب والعلمنة والتمذهب بمذهب التحرر من القيود والضوابط الدينية لقد كان أمامكم فرص كبيرة لمضاعفة جهودكم في تغريب المصريين .
ولعل هذه هي الحلقة المفقودة في فهم ما آلت اليه الأمور في صناديق الاقتراع .
لعل كم المسلسلات والأفلام والأغاني الماجنة لعله كان قليلا ولعله كان محدودا ولعلكم غفلتم أن تطرقوا البيوت بابا بابا ، وتحذروا الناس من الاعتقاد بأن النجاح مع الله وفي الحياة أمر مستحيل !!
لعله فاتكم أيضا أن ترسلوا رسائلكم لكل بريد ألكتروني ، وتنتشروا أكثر على صفحات الفيس بوك والتويتر وتطلقوا لخيالكم العنان في ابتكار المزيد من الشبه والشكوك ووصم المتدينين بها .
نعم يا أهل التغريب والحداثة لقد قصرتم كثيرا في أداء واجبكم تجاه تفريغ الدين من قلوب المصريين .
لقد فرطتم في أداء دوركم المرسوم في إعلان الحرب على المتدين الطموح الذي يرى في نفسه القدرة على الجمع بين الدين والدنيا .
لقد فرطتم يا رمز العلمنة والحداثة والتجديد في السير حتى آخر الشوط لتوجيه ضربات قاصمة للمتدينين .
وللحق والحقيقة فالضرب هذه المرة جاء عليكم ، والانقلاب هذه المرة حدث لكم أنتم وما ظننتموه كابوسا صار واقعا ، وما كان فزَاعة صار قدرا ، ومن كان مهانا اختارته صناديق الاقتراع ، ومن ألقي في غياهب السجن نهض ليقود الجموع ، ومن حاولتم إسكات صوته اختاره الشعب ولا أدري يا أهل التغريب هل أعزيكم أم أهنئكم ولعلي في المقامين محقة ؟!!
فالعزاء واجب في حقكم فنيرانكم لم تعد تدفئكم فكيف بها تدفئ من دونكم
أما التهنئة فلأنكم عما قريب ستبصرون وتعرفون الفرق بين من باع ومن اشترى ، ومن طفف في الميزان ، ومن عدّله وسوّاه وساواه .
الأمل قريب أنكم عما قريب ستكتشفون إلى أي حد كنتم واهمون ، وما ظننتموه عن قصد كيان هزيل سيوفيكم بالكثير وستكونون أنتم أول المستفيدين وأكبر الرابحين والسبب إذا حكم الميزان فلن يبخس حق لإنسان .

Advertisements

Read Full Post »