Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for 27 أغسطس, 2010

من تايلاند: دعوة لجودة الحياة

بقلم : مريم عبدالله النعيمي

لا تستغرب أيها القارئ الكريم العنوان فالمعنى الأول الذي تبادر إليك هو الصحيح إنها دعوة لجودة الحياة تأتينا من تايلاند ذلك البلد الآسيوي الذي عدت قبل أيام قليلة من زيارته للمرة الأولى لدولة في جنوب شرق آسيا .

كان ما وقفت عليه من صور ومواقف وسلوكيات يومية مكثفة كشفا جديدا بالنسبة لي ما كنت لأتعرف عليه لولا أنني اختبرته عن قرب .

إنها دعوة لجودة الحياة يقدمها أهل تايلاند لبعضهم البعض ولضيوفهم من مختلف دول العالم عبر حزمة متوالية من السلوكيات الراقية والذوقيات الاجتماعية التي بذلت زمنا طويلا من عمري في القراءة والبحث عنها عبر الجديد من كتب الإدارة والنجاح القادمة إلينا من الغرب .

ما كان مكتوبا في كتب الغرب حول أفضل أساليب العيش للوصول لجودة الحياة وجدته خيارا قائما وقرارا شمل الأفراد والجماعات بطريقة رائعة وجديرة بالاحترام.

من أول لحظة ينزل فيها السائح إلى مطار بانكوك يقف على سلوكيات رفيعة المستوى وأخلاقيات تعكس المستوى المتقدم في التواصل الإنساني الذي بلغه التايلانديون .

يأتيك الجواب قبل أن تسأل وتأتيك المعلومات حول أفضل طريقة للنجاح في تخليص إجراءات القدوم من موظفات وموظفين تدور أعينهم في قاعة المطار لتلتقط صور الجنسيات الوافدة فتبادر مسرعة بالاهتمام بها ، ورعايتها لبلوغ مقصدها في أسرع وقت ممكن .

بعد أن أنهيت إجراءات المطار كانت هناك حافلات أجرة تقف بنظام في انتظار القادمين من المطار ، وما بين الانتظار وركوب الحافلة بذلنا دقيقة واحدة فقط.

كنا قد اخترنا سلفا وعبر الانترنت الفندق الذي نود المكوث فيه طيلة أيام السفر وما هي إلا أربعين دقيقة أو أكثر حتى دخلنا بهو الفندق الرائع الذي تنساب منه المياه عبر نوافير صغيرة تتساقط بانتظام لتعطي الزائر معنى الاسترخاء وتشعره بأنه موضع ترحيب واهتمام.

اصطحبتنا موظفة الاستقبال لترينا إحدى الشقق الفندقية المتوفرة لديهم وللمرة الأولى وجدت نفسي أوافق على أول فندق أصل إليه في أي بلد وبدون أدني تحفظ.

إنه الشعور بالراحة والاطمئنان الذي يتسرب للسائح الباحث عن أماكن ترتقي معاييرها لمستوى الملاءمة والجودة في الخدمة المقدمة .

لقد كانت الساعة الأولى من الوصول لتايلاند ساعة ناجحة بامتياز وما كنت أقطعه في دول أخرى من زمن للبحث عن مكان مريح وملائم قطعت أقل من ربعه وأنا في تايلاند . ولأن التفاؤل من ديننا فقد تسرب إلى نفسي بأن هذا البلد يحترم الإنسان

لم يخب ظني على الإطلاق وصدقت توقعاتي بل وفاق الواقع أحسن التوقعات ووجدت نفسي قرابة عشرة أيام أعيش في بيئة متناغمة ومنسجمة ومترابطة وكل ما فيها يعكس جوهر روح هذا المجتمع المحب والمتعاون والمتحلي بأخلاق رفيعة نتمنى فعلا أن أجد مثلها بين أفراد مجتمعاتنا.

التحية والسلام ، الانحناء والابتسامة الصادقة ،  المبادرة في تقديم الخدمة، الهرولة لتلبية حاجة السائح أمور يتقنها من في الفندق ، ومن في الشارع وحتى سائقي التاكسي . الجميع في خدمتك والابتسامة العفوية والصادقة تظل رفيقتك مهما مكثت في بانكوك.

أي نوع من البشر هؤلاء إنهم لا يتجهمون ، ولا يرفعون أصواتهم عاليا ، يمشون في الطرقات وانحناءة التواضع تلازمهم كأن الأرض كل الأرض عشبا أخضر تحت أقدامهم ، يخشون عليه من التلف والإضرار فلا يكاد أحدهم يمشي إلا وهو منحني الرأس ، رفيق الخطو ، لا عجرفة ولا غرور أو اعتداد متطرف بالنفس .

بدأت أعتقد من شدة تركيزي على سلوكهم أنهم قد قرؤوا قول الله عز وجل : “والذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما “

إنهم هينون لينون طيبوا المعشر لدرجة لافتة ، وكان السؤال الذي يدور ببالي أي نوع من التربية تلقاها هذا الشعب ليسمو بسلوكه وبمستوى تواصله مع الناس إلى هذه الدرجة الرفيعة ؟!!

إن الشعب التايلاندي بوذي في مجمله فهل هي رسالة بوذا التي بها يؤمنون والتي تدعوهم إلى التصالح مع النفس والرضا عن الحال وخدمة الآخرين؟

أم هي طبيعة هذه الشعوب التي يغلب عليها الفقر وتتمتع في الوقت نفسه بطبيعة خلابة وأجواء صحوة تشجعها على الشعور بجمال الحياة، وروعة نعمة البيئة التي تعيش بها ؟!

كان أفراد عائلتي يشاطرونني الرأي نفسه، ويرون أن هذه الأخلاق لا تتواجد في مكان واحد وزمان واحد وبنفس الكثافة لدى مجتمعاتنا العربية مع الأسف .

ما الذي حل بنا وجعلنا نفتقد لتلك الروح الخدومة المعطاء المتوائمة والمنسجمة مع الحياة كما يفعل التايلنديون بمهارة وإتقان ؟!!

ما الذي حل بالعرب وجعلهم خشنو الطباع مشدودون للمال ومشغولون بالجمع على حساب استمتاعهم بما لديهم من نعم ؟!!

إن الشعب التايلندي أو على الأقل سكان بانكوك سعداء بما هم فيه ولذلك لا تستعصي عليهم الابتسامة ، ولا يسأمون من خدمة بعضهم البعض أو خدمة الغرباء عن طيب نفس وخاطر .

في الخدمة هم دائما وسواء في أماكن الإقامة أم في الأسواق التجارية أم في المستشفيات فالجودة في التعامل تأتي كخيار أولي لا يتنازلون عنه على الإطلاق .

في مستشفياتهم تكتشف معنى الطب الحقيقي لا الطب الزائف.

قاتل الله الطمع والطماعين، المتاجرين بصحة الناس، العابثين بمصائرهم الراقصين على جراحهم السارقين لجيوبهم والساخرين من آلامهم.

قاتل الله عددا من أصحاب مستشفياتنا الخاصة الذين شوهوا مهنة الطب وأفرغوها من معانيها الكبرى ، وحولوا الأطباء لجباة للمال الذي لا يكادون يشبعون منه في ليل أو نهار !!

أي فرق شاسع وكبير يفصل ما بين ما اختبرته في بانكوك وبين مستشفياتنا الحكومية منها والخاصة ؟!!

إنه فرق لا يحتسب بالساعات أو الأيام أو الشهور بل يحتسب بالسنوات الضوئية وقد كنت أكره الكثير من ممارسات الأطباء وطغيانهم غير المبالي بصحة الناس أما وقد وجدت النقيض الكامل في سلوك أطباء تايلاند فقد ازددت كرها وامتعاضا من سلوك عدد من أطبائنا ومستشفياتنا الخاصة المتاجرة بحياة الناس كما يتاجر أصحاب التأشيرات في بعض دول الخليج بأمن وسلامة أوطانهم!!

إنها لعبة قدزة ، ومعادلة مائلة ، وبخس في الميزان ، وإساءة للإنسان يوم أن يتحول الطبيب إلى شخص ماكر مهمته شفط جيوب المرضى والعبث بأوقاتهم ومشاعرهم وأمنهم النفسي والمادي ناهيك عن عافيتهم وسلامتهم.

في بانكوك تأتيك الصورة خضراء مشبعة بالكلوروفيل لا من النوع الذي يحتاجه النبات القريب المنتشر في مستشفياتهم وإنما الكلوروفيل الذي به يتوفر مستوى رفيعا من الاكتفاء برصيد الطبيب والممرضة من الأخلاق الإنسانية والمهنية على حد سواء .

وكأن الطب مات لدينا على أعتاب طبيب عربي نهم للمال لا يكاد يشبع منه . وكأن حبر العلماء جف على أثواب تأتيك بيضاء لوهلتها الأولى لكنها تلوثت من تلوث روح لابسها غير المبالي بصحة الناس وسلامتهم .

كانت وما تزال ذاكرتي مثقلة بالعشرات من الصور الكريهة لأطبائنا العرب المدججين بالألقاب والمسميات والأوصاف وكنت بحاجة بعد سنوات من إثقال هذه الذاكرة إلى مصحح بشري يحمل شهادة طب لمعالجة الناس فكان لي ما أردت إذ أتيح لهذه الذاكرة أن تدون سطورا نظيفة وتطبع بها لقطات راقية لأطباء يلبسون رداء الطبيب لكن الرداء يشرف بهم ويسعد لأنهم هم لا بسوه .

لم يكن لي من هم وأنا أثقل ذاكرتي بسلوك أطبائنا المتعجرف إلا أن أقف على سلوكيات أفضل تنتصر لمهنة الطب وتفخر بالأطباء ولدى أطباء بانكوك وجدت هذا المطلب سهلا إلى درجة لا تكاد تصدق .

الجميع يبتسم لك يرحب بك ، يعطيك من وقته ما شئت ويعتذر لك حتى لو لم يخطئ لو خاب ظنك به ، ولم يستطع الإجابة  على جميع أسئلتك .

الممرضات حالة استثنائية وشريحة هامة هي شريان العمل في ذلك المستشفى الذي ذكرني بما قرأت عن سلوك الشغالات في خلايا النحل وعن نشاطهن الدؤوب وعملهن المستمر .

كأن الذوق هنا يبتسم ، بل قد ابتسم واستراح واطمأن واستقر به المقام ولا أدري وقد أنعم الله علي بأجواء حسنت من ذاكرتي ، وجددت بها خلايا الثقة في الطب والأطباء هل كنت سأثق يوما بأن ثمة مستقبل مشرق للطب خارج عتبات الجامعة ومؤسسات البحث العلمي ؟!!

إن هذه المهنة الشريفة قد عبث بها لدينا وأسيئ إليها مرات ومرات ومرات ولكن بالرغم من كل ذلك ثمة شعوب ما زالت تحترم نفسها ، وتثق بذاتها تصالحت مع الحياة فصالحت الأحياء ، ورضيت بعيشها فأشرقت معاني العطاء في جنبات نفوسها .

لله كم أعطتني  هذه التجربة من ثقة كبيرة بمستقبل الإنسان على هذه الأرض وكم ازددت قناعة بأن  من يصنع اسم أمته  هو قرار جماعي باختيار السلوك الأفضل والأجدر بالإنسان.  

لقد اختار أهل بانكوك أن يعيشوا بسلام وأن ينشروا السلام فيما حولهم وآثروا أن لا يربطوا سلوكهم الرصين بمقدار الدولارات التي تأتيهم في آخر الشهر لأنهم ببساطة عرفوا أن الإنسان هو الذي يعطي القيمة للأشياء وليس العكس.

الإنسان وحده هو صاحب القرار في جعل من حوله يفرحون بقربه أو يشمئزون منه ويفرون عنه !!

الإنسان الذي أودعه الله عز وجل قدرات ومهارات مختلفة هو صاحب القرار في الطريقة التي يريد أن ينظر بها للناس من حوله .

وقد اختار أهل بانكوك أن يحترموا بعضهم البعض ويبادروا لتقديم الخدمة والمساعدة فكان لهم ما أرادوا وكان أن جعل الله لهم من أرزاق أهل الخليج نصيبا ، فالابتسامة التايلاندية النابعة من القلب كما قالت لي إحدى الصديقات تستحق أن تحلق لأجلها الطائرات .

تكمل تلك الصديقة قائلة : في كل عام ومهما اخترت من بلد للاصطياف فإن أصدق ابتسامة أراها في الوجوه هي ابتسامة أهل تايلاند ولذلك لا أتردد أن أقتطع جزءا من أيام السفر في التوجه نحو تايلاند.

ولأني اختبرت هذه التجربة فأنا أفهم تماما صدق ما تقول .

في الختام دعوة لأهلنا العرب أن يتصالحوا مع ذواتهم وأن يتساموا في نظرتهم للحياة والأحياء ولأدوارهم في الخدمة والبناء فلن ترقى أمة دون أخلاق راسخة وشعور صادق بقيمة التعاون والمبادرة والسلوك القويم في صناعة النهضة وبناء الحضارات.

 

Read Full Post »