Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for 10 فبراير, 2010

درهم حياء خير من قنطار سفور

بقلم : مريم عبدالله النعيمي

جمعني القدر بها دون سابق تخطيط أو حرص مني على اللقاء بها لكن الأثر الذي تركته في نفسي تلك المقابلة كان أشبه بهزة كنت بحاجة إليها لأكتب في موضوع ظننت أنه أشبع بحثا وعرضا وتدوينا ونقاشا.

المقابلة كانت عبر إحدى القنوات الخليجية حيث دعيت لعرض وجهة نظر تربوية حول الدور المحوري  المطلوب من الرجل القيام به في داخل المنزل .

كانت تلك الزيارة هي الأولى إلى تلك القناة الفضائية القائمة في مدينة دبي للإعلام ولا شك لدي أنها ستكون الأخيرة بعد أن اختبرت مشاعر لم تكن في صالحي على الإطلاق !!

كنت أعتقد ولفترة طويلة أن فتح موضوع الحجاب سواء للإعلاميات أم لكافة النساء المسلمات أمر قد فرغنا منه كمجتمع لأن الحجاب فرض وكل جدال أو نقاش في هذا الموضوع يعتبر من باب إثبات ما تم إثباته من الشارع عز وجل .

لكن الخبر ليس كالعيان ، ومهما ظننا أن الحجاب في النهاية أمر شخصي فمن أرادت الخضوع لأمر الله فهذا خيارها ومن شاءت أن تتحرر من اللباس الشرعي فهي المسؤولة الأولى والأخيرة عن اختيارها إلا أن للغة الواقع في هذا الجانب ما يعكس الحاجة لفتح هذا الموضوع على الدوام.

لقد ازددت يقينا البارحة أن الحجاب ليس أمر شخصي على الإطلاق وأن أثره لا يتجاوز فقط تلك الفتاة المتحررة من اللباس الشرعي إلى فئة محدود العدد ممن قد يعجبن بالنمط المعروض ويتنافسن للمجاراة والتقليد.

كما أن أثره لا يتوقف على التأثير السلبي الذي تتعرض له تلك الفئة المتربصة من الرجال والشباب الذين يروق لهم رؤية الفتاة وقد كشفت ما أمرت شرعا بستره لكنه يصيب مشاعر المحجبة ويؤذيها إذاءة بالغة ما يؤكد أن الجميع في خطر معنوي على أقل تقدير من لوثة التحرر الآخذة في الانتشار .

استقبلتني المذيعة العصرية بلباس ليس له صلة بشرق ولا بإسلام وحينما وقعت عيناها علي كادت تصعق وقالت لي ابنتي بعد خروجنا من المحطة الفضائية وكانت ترافقني للمقابلة : أرأيت ملامح الصدمة والذعر التي انتابتها عندما وقعت عيناها عليك أول مرة ؟!!

قلت : نعم لاحظت ذلك وهي محقة لأبعد الحدود فكيف تظهر على الشاشة مع نموذج يصطدم معها في الهيئة الخارجية اصطداما كليا إنها محقة في قلقها فالاحتشام إذا اجتمع مع الزى المكشوف ظهر التناقض جليا وأصبحت الصورة متباينة الألوان لحد ملحوظ !!

المهم ذعرت المذيعة من الحجاب والاحتشام وما تناهى لها مسبقا عن رفضي للماكياج فخارت قواها وهي الأنيقة التي تلبس ثوبا قصيرا ضيقا لا يعلم بحاله إلا الله .

اعترانا نحن الاثنتين شيء من الألم لكن ربما لكوني أعلم بواقع كثير من إعلامياتنا بدوت ثابتة ولم يطرأ على وجهي أي شعور بالاستياء من مظهرها غير المريح ومن زيها المكشوف .

رددت عليها التحية ، وبدأت أحاورها حتى أخفف من روعها فأنا الآن في محنة حقيقية ومن ستحاورني تختلف عني على الأقل في اللباس والهيئة وإن كانت في داخلها ربما تكون فتاة متميزة في بعض الصفات والأخلاق .

بعد خمس دقائق من الحوار وقبل الدخول إلى الاستديو تحول ذعرها لهدوء وطمأنينة وأخذت تكيل المديح والإطراء وقالت لي : كل ما سمعته منك الآن له وزن ثقيل ، وليت مدة اللقاء معك تطول بل زادت وربما من باب المجاملة أنها كثيرا ما تضيق بطرح ضيوفها لكنها وجدت في طرحي ما يستحق الإصغاء والاهتمام!!

المهم أنها رضيت عني ويبدو أنها تقبلت وجود ضيفة من النمط القديم الذي يرفض أن تكون له إطلاله جذابة على الشاشة .

تقبلت وضعي بكل حب ، ورضيت بي ضيفة معها على الهواء وبدوري كتمت كل غضبي ورسمت ابتسامة بسيطة لعلها تخفي زمجرتي واستيائي من وضعي وليس وضعها هي !!

لم يكن كسب ودها أمرا صعبا بعد أن قبضت بيديها على عدد من إصداراتي واستمعت لوجهة نظري التربوية حول الموضوع الذي سيثار في المقابلة .

لكنني أنا التي كنت بحاجة لمساعدة حقيقية في ظل دخولي لقناة فضائية خليجية تدور من حولي فيها المذيعات من ذوات الإطلالة الجذابة الملونة والمتخففة من الزى الشرعي بكل ثقة وسرور !!

كان الجو علي كئيبا وباردا ، وكان اللون الرمادي يرخي بظلاله في المكان والوقت مر بطيئا لدرجة كبيرة .

يا لهذه المشاعر التي لم أختبرها منذ مدة طويلة ،  وأي غضب هذا الذي أكتمه وأمنعه من الانفجار في بيئة وجدت نفسي فيها غريبة إلى حد كبير!!

الألفاظ المتبادلة بين الموجودين أو بعضهم على الأقل منفتحة ولا تخضع لضوابط شرعية، ، الكلمات غير اللائقة بين زملاء المهنة والمكان .تقرير الأزياء الذي سبق المقابلة معي أشياء كثيرة لم تكن تشعرني بالراحة ، ورغبة عارمة في الجلوس أمام حاسوبي لإعادة طرح موضوع قديم يتجدد هو: ما هي عواقب ترك الفتيات والنساء الممتنعات عن الحجاب على المجتمع برمته وعلى حياتنا بكل تفاصيلها؟

إن الضيق الذي اعتراني واستيائي من تدهور وضع الأنثى وسقوط برقع الحياء عنها في تلك اللحظة يكفي لأعيد صياغة أفكاري من جديد حول خطورة الصمت على تدهور علاقة بعض المسلمات بقيم الاحتشام واحترام الزى الشرعي !!

إن الدخول في الحياة العملية من بوابة الاجتراء على فرض أنزله الله هو دخول خاطئ ، وولوج عشوائي ، ومربك ، ومرتبك ، وينبغي العمل على تصحيحه والتقليل من أخطائه وأخطاره .

لست أدعي أن ثمة طريقة لفرض الحجاب على المسلمات لكنني أزعم أننا بحاجة حقيقية لتكثيف الجهود تجاه زى المرأة المسلمة وأهمية التحدث والكتابة وإنتاج البرامج وإصدار المشاريع التي تشجع الفتاة على الاحتشام وارتداء الحجاب .

إن أخلاق الأمة كلها في خطر إذا ما ظلت الجهود المبذولة في تعزيز احترام  الحجاب على الصورة القائمة فالفتيات الجريئات يقتحمن الإعلام بجسارة ويمتلكن منابر التأثير بقوة وبدون اكتراث لزي شرع أو دين .

وما تنشره الفضائيات من صور ونماذج غريبة ومؤذية للعين والقلب والعقل تؤكد بأننا بحاجة لمشاريع إعلامية كبيرة وكثيرة ترصد لها الميزانيات وتسخر لها الجهود وتبذل لها الأوقات لكي يتم إيقاف أو تحجيم الآثار السلبية من جرأة بعض فتيات الإعلام اللواتي فرغن من فكرة الحجاب وأفرغن رؤوسهن منه حتى إشعار آخر .

فيلكن الإشعار الآخر نهضة إعلامية تقودها المرأة المحجبة والفتاة التي عرفت طريقها نحو الله وتصالحت مع قيم الفضيلة والحياء والاحتشام.

فليكن الإشعار الآخر إصدارات متنوعة وبرامج تتوفر بها أعلى مستويات الجودة والتميز .

فليكن الإشعار الآخر الذي يحجم تلك اللوثة الفكرية التي ضربت أدمغة بعض الإعلاميات المسلمات نهضة أخلاقية يقودها أفراد المجتمع وفئاته والقادرين على التأثير والتغيير والمرشحين للعب أدوارا رائدة ومساندة ومعززة لغرس قيم الحياء في النفوس .

هذا إذا كان خوفنا على أخلاق المجتمع حقيقيا وكانت غيرتنا على أعراضنا غيرة صادقة ولها صدى في الحياة .

إن القوة التي تنطلق منها غير المحجبة في مسيرتها الإعلامية ، والجموح وإظهار الجرأة الكاملة في اللباس والزى المكشوف يجب أن تقابل بردة فعل مدروسة منهجية وشاملة تحاصر تلك الهشاشة الأخلاقية وتضعف من تأثيرها في حياتنا لأقل قدر ممكن .

هذا إذا كنا نريد أن نعذر أمام الله ونبرئ ذمتنا من كل هذا التخاذل والانحناء لجبروت الإعلام المكشوف الذي سلع الأنثى وجعل منها لقمة سائغة للعبث واللهو الرخيص.

Advertisements

Read Full Post »